لم يعد خافيا على أي متتبع جدي أن جبهة البوليساريو تعيش واحدة من أسوأ لحظاتها منذ نشأتها في مطابخ الحرب الباردة.
فبعد عقود من الترويج لخطاب “التحرر”، وُضعت الجبهة اليوم أمام مرآة الواقع: كيان مترهل، يفتقد لأي شرعية ديمقراطية، لا يملك أرضا ولا مؤسسات، يعيش على صدقات الجزائر والهيئات الأممية، ويُدير مخيمات بئيسة أقرب لمعازل احتجاز منها إلى مناطق لجوء.
والأسوأ من كل ذلك، أن صكوك التضامن الدولي التي طالما استثمرت فيها قيادة الرابوني، بدأت تتبخر تباعا، الواحدة تلو الأخرى.
ففي 2025، لم تعد الجبهة مجرد قضية خاسرة على طاولة الأمم المتحدة، بل أصبحت عبئا سياسيا حتى على حاضنتها الجزائر، التي دخلت بدورها نفقاً مغلقا من التوترات الداخلية، وانكشفت أوراقها دوليا بعد تراجع عائدات الغاز، وتدهور صورتها في الساحة الإفريقية.
وقد باتت الجزائر التي كانت تلوّح بـ”حق تقرير المصير”، تبحث لنفسها عن مخرج يحفظ ماء وجهها من ورطة خلّفها ضيق الحسابات الإيديولوجية وتضخم هواجس المنافسة مع المغرب.
وفي أقل من ثلاث سنوات، سحبت أزيد من 15 دولة إفريقية اعترافها بجبهة البوليساريو، في موجة غير مسبوقة تعكس التحول البنيوي في الرؤية الإقليمية للنزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية.
هذا التراجع ليس عرضا دبلوماسيا عابرا، بل نتيجة منطقية لصعود الرؤية المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى بدعم واشنطن وباريس ومدريد وبرلين وأغلب العواصم المؤثرة. هذه العواصم باتت تنظر إلى الجبهة كتنظيم انفصالي مفلس، تديره شبكة من المتاجرين باليأس، وممول من نظام عسكري لم يعد يملك حتى القدرة على إصلاح اقتصاده.
وموازاة مع ذلك، تعمقت الانشقاقات داخل الجبهة. حركة “صحراويون من أجل السلام” لم تكن استثناء، بل مقدمة لسيل من التصدعات القادمة. كما كشفت الاحتجاجات الأخيرة في مخيمات تندوف، بسبب تأخر الرواتب وغياب المواد الأساسية، عورة المشروع الانفصالي برمته، وأكدت أن الجبهة لا تمثل سكان الصحراء، بل تختطفهم لمآرب جيوسياسية.
وفي الواقع، لم تعد قيادة الجبهة تسيطر إلا على ما يُسمى بـ”الشرعية العسكرية” داخل المخيمات، من خلال فرض الطاعة باسم “المعركة الكبرى”، فيما أبناء الصحراويين يُقذف بهم إلى محرقة عسكرية خاسرة، شرق الجدار الأمني المغربي.
من جانبه، لم يراهن المغرب فقط على الحسم الميداني، بل استثمر في العمق الإفريقي، وراكم مكتسبات اقتصادية وتحالفات استراتيجية، مكنته من تجاوز المقاربة الأمنية إلى دبلوماسية المبادرات.
واليوم، حين يتحدث العالم عن استقرار شمال إفريقيا أو مستقبل الساحل، تُستحضر الرباط كفاعل محوري، فيما تُذكر البوليساريو في نفس الجمل مع الميليشيات والتنظيمات الغامضة التي توظفها دول مأزومة كأذرع للابتزاز.
كل المعطيات تشير إلى أن نهاية البوليساريو لم تعد سيناريو مستبعدا، بل مسار جارٍ بحكم الأمر الواقع. فالمغرب لا يحتاج أن ينتصر عسكريا على الجبهة، لأنها انهزمت سياسيا وأخلاقيا، وخسرت أغلب أوراقها.
ما تبقى اليوم هو مجرد ضجيج إعلامي تصدره قنوات رسمية جزائرية تبحث عن “عدو خارجي” لتبرير مأزق داخلي. أما في الميدان، فقد حُسمت المعركة منذ أن أصبحت مدن الصحراء المغربية قبلة للاستثمار والديبلوماسية الدولية، ومنصة لإفريقيا الصاعدة… بلا بوليساريو، وبلا شعارات زائفة.

