في مشهد بات يتكرر بوتيرة متصاعدة داخل كبرى شركات التكنولوجيا حول العالم، تتشكل تيارات شبابية جديدة تعبّر عن رفضها المتزايد لاستخدام منتجات الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية في عمليات عسكرية، خاصة تلك التي تمسّ المدنيين في مناطق النزاع.
ورغم أن هذه التحركات لا تزال غير منظمة على المستوى النقابي أو الهيكلي، إلا أن اتساع نطاقها وعدد الموقعين على العرائض الداخلية، والاحتجاجات الرمزية التي تنطلق من داخل المؤسسات نفسها، بات يفرض نفسه على النقاش العام، ويدفع إدارات هذه الشركات إلى مواجهة أسئلة لم تعتد على سماعها من موظفيها.
وتشير حالات عديدة، مثل احتجاج المبرمجة المغربية ابتهال أبو السعد داخل احتفال رسمي لشركة مايكروسوفت، إلى بروز وعي أخلاقي متزايد بين الأجيال الجديدة العاملة في القطاع التكنولوجي.
فعلى عكس ما كان سائدا في بداية الألفية، حيث كانت الاعتبارات التقنية والتجارية تتصدر سلم الأولويات، أصبح عدد متزايد من المهندسين والمبرمجين الشباب يُدركون أن ما يُطوَّر داخل مختبراتهم قد يُستخدم في ميادين الصراع أو ضمن سياسات أمنية مثيرة للجدل، وهو ما يدفعهم إلى مساءلة دورهم داخل المؤسسة، وحدود التزامهم المهني حين يكون الضمير الإنساني على المحك.
في عام 2018، وقّع أكثر من 4000 موظف في شركة Google على عريضة تطالب بإنهاء مشروع “مايفن”، الذي يهدف إلى تطوير أدوات تحليل بصري تُستخدم لتوجيه الضربات بالطائرات المسيّرة.
ورغم أن الشركة أعلنت لاحقا انسحابها من المشروع، إلا أن العريضة كشفت حجم التوتر الداخلي بين منطق الابتكار الأخلاقي ومتطلبات التعاقد مع المؤسسات العسكرية.
وتكرر نفس الأمر مع مشروع “نيمبوس”، الذي جمع بين Google وAmazon، وقد عبّر موظفون في الشركتين، عبر رسائل مفتوحة ومبادرات احتجاجية، عن رفضهم لاستخدام هذه البنية التحتية السحابية في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل تواتر التقارير حول استهداف المدنيين في غزة.
ولا تستند هذه التيارات فقط إلى مواقف عاطفية أو اعتبارات شخصية، بل إلى خلفية معرفية وحقوقية بدأت تترسخ بين الكفاءات التكنولوجية الجديدة، والتي باتت تنظر إلى علاقتها بالشركة كمجال تفاوضي يمكن فيه إبداء التحفظ أو الاعتراض على قرارات إدارية قد تحمل تبعات إنسانية جسيمة.
فالمبرمج لم يعد ذلك التقني المنعزل في غرفة خوارزميات، بل فاعل ضمن منظومة تؤثر في مصير البشر بشكل مباشر. وبالتالي، فإن رفض الاشتغال على مشاريع ذات طابع عسكري أو أمني أصبح بالنسبة لهؤلاء ليس فقط خيارا أخلاقيا، بل ممارسة واعية لمبدأ “المسؤولية المهنية”.
ولا تخلو هذه التحركات من كلفة. فعدد من الموظفين الذين قادوا حملات داخلية، أو عبّروا عن مواقفهم عبر منصات التواصل أو خلال الاجتماعات الرسمية، تعرضوا لإجراءات تأديبية، أو تم إقصاؤهم تدريجياً من مواقع القرار داخل الشركة.
وهناك من فضّل المغادرة الطوعية بعد أن اصطدم بجدار صلب من اللامبالاة المؤسساتية. ورغم أن بعض الإدارات تتبنى ظاهريا خطاب “الانفتاح على النقاش” أو “احترام حرية التعبير”، إلا أن الواقع التنظيمي يشير إلى محدودية أثر هذه الشعارات في ظل غياب آليات رسمية للمساءلة الداخلية.
وفي المقابل، بدأت بعض الشركات الناشئة في وادي السيليكون، وأيضاً في أوروبا وكندا، في تبنّي ما يُعرف بـ”الابتكار المسؤول”، حيث تُصاغ سياسات واضحة تنص على عدم التعاون مع أي جهة عسكرية أو أمنية، وتُشرك الموظفين في قرارات التعاقد الاستراتيجي.
ورغم أن هذه المبادرات لا تزال محدودة النطاق، إلا أنها تعكس مسارا بديلا لما هو سائد، وتفتح المجال لنقاش أعمق حول ما إذا كان من الممكن فصل التكنولوجيا عن السلطة، أو على الأقل تقييد هذا الارتباط بضوابط ومعايير شفافة.
وفي غياب إطار قانوني دولي يُلزم الشركات التكنولوجية بعدم تقديم خدمات تُستخدم في عمليات قد ترقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة، تبقى هذه التحركات الفردية أو الجماعية بمثابة ضمير داخلي يُحاول كبح الاندفاع نحو السوق، حين يتعارض الربح مع الكرامة الإنسانية.
لكن المعضلة تكمن في أن موازين القوى داخل هذه المؤسسات تميل، في الغالب، لصالح الإدارات التي ترى في هذه الاحتجاجات تهديدا لمرونة القرار، وتحديا لسلطتها في توجيه الموارد حسب الأولويات الاستراتيجية.
ومن زاوية أخرى، يُطرح تساؤل مشروع حول دور الأكاديميات والمؤسسات التكوينية التي تُخرّج آلاف المهندسين سنويا، لكنها نادرا ما تُدمج في مناهجها مبادئ الأخلاقيات الرقمية أو المسؤولية المجتمعية للتكنولوجيا.
وهذا الغياب يُفضي إلى فجوة معرفية تجعل من بعض الكفاءات عرضة للاستقطاب السهل ضمن مشاريع لا تتيح لها فرصة التأمل في تداعيات ما تُنتجه، أو مساءلة المسار النهائي لأكوادهم وخوارزمياتهم.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى بلورة أدوات تنظيمية جديدة داخل الشركات نفسها، تتيح للموظفين آليات فعالة للتبليغ والاعتراض، دون أن يخشوا العزل أو الإقصاء.
كما تبرز أهمية دعم هذه التيارات من قبل المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، من خلال تسليط الضوء على نماذج الرفض، وتقديمها كجزء من معركة أوسع من أجل الشفافية والمساءلة في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا لاعباً سيادياً لا يقل تأثيراً عن الحكومات.
لا يمكن القول إن هذه التيارات قادرة، حاليا، على تغيير بنية القرار داخل الشركات الكبرى، لكن حضورها المتزايد، وصداها الإعلامي، وتفاعل الرأي العام معها، يجعلها رقماً يصعب تجاهله. كما أن صعود أجيال أكثر وعيا، وأقل انبهارا بالامتيازات المؤسسية، قد يفتح الباب مستقبلا لتوازن جديد بين السلطة التقنية والضمير المهني.
فلم تعد الاحتجاجات الصامتة، الرسائل المفتوحة، المقاطعة الداخلية، وحتى المغادرة الطوعية، مجرد مواقف معزولة، بل ملامح لموجة أوسع تسعى إلى استعادة معنى الحوكمة الأخلاقية داخل واحدة من أكثر الصناعات تأثيراً في مصير البشرية.
وإذا كانت سياسات بعض الشركات ما تزال محكومة باعتبارات القوة والسوق، فإن داخلها بات ينبض تيار آخر يرفض أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في قتل الأبرياء، أو أن تتحول الكفاءة المهنية إلى أداة في يد مشاريع لا ترى في الإنسان أكثر من معطى قابل للمعالجة.

