وطن 24 من الرباط
رفع رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار، الجمعة، سقف الخطاب السياسي بشأن أحداث سبتة، داعيا إلى نشر الجيش في المدينة ومستخدما توصيف “الغزو”، في وقت لا تزال فيه التحقيقات القضائية الإسبانية مفتوحة لتحديد ملابسات موجة العبور الجماعي والمسؤوليات المرتبطة بها.
وقال أثنار، القيادي السابق في الحزب الشعبي، إنه يؤيد “دون أي شك” عسكرة سبتة، معتبرا أن القوات المسلحة مطالبة بالدفاع عن وحدة الأراضي الإسبانية وأن على الحكومة تكليفها بضمان أمن المدينة وحدودها.
وذهب رئيس الحكومة الأسبق أبعد من ذلك، إذ اتهم حكومة بيدرو سانشيز بـ”الجبن وعدم الكفاءة والخيانة”، وقال إنها تخدم مصالح المغرب وتعطي، بحسب تعبيره، “الحق للغزاة”، مستعيدا في الوقت نفسه طريقة تعامل حكومته مع أزمة جزيرة ليلى عام 2002.
وتأتي تصريحات أثنار ضمن تصاعد للخطاب داخل اليمين الإسباني بشأن سبتة، بعدما وجه زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فيخو بدوره انتقادات حادة إلى سانشيز الجمعة، وحمله مسؤولية الوضع في المدينة وطالب بإعادة المهاجرين، في وقت تحول فيه الملف إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة السياسية مع الحكومة.
غير أن رفع سقف المطالب السياسية إلى حد إدخال الجيش يجري بالتوازي مع تحقيق قضائي لم يحسم بعد الجهة التي خططت أو نسقت موجة العبور، بينما تتجه بعض إجراءاته في الوقت نفسه إلى فحص ما جرى داخل المؤسسات الإسبانية قبل اندلاع الأزمة.
فقد طلبت قاضية المحكمة الوطنية ماريا تاردون من أجهزة الشرطة والجيش تقديم جميع التحذيرات وتحليلات المخاطر التي أعدتها قبل الأحداث، مع تحديد الجهات التي توصلت بها وتوقيت إرسالها، كما استدعت حاكم سبتة خوان خيسوس فيفاس ومسؤولين إسبان آخرين للاستماع إليهم كشهود.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بعدما تبين أن مسؤولا في مندوبية الحكومة بسبتة تلقى رسائل من المركز الوطني للاستخبارات وأجرى اتصالا هاتفيا مع أحد عناصره في 29 يوليوز، أي قبل يوم من بدء موجة العبور، فيما تسعى المحكمة إلى تحديد كيفية التعامل مع تلك التحذيرات داخل أجهزة الدولة الإسبانية.
كما أمرت القاضية بالتحقيق في نشاط شبكات التواصل الاجتماعي وتحديد الأشخاص أو المجموعات التي ربما امتلكت القدرة على التخطيط والتحريك والتنسيق، في مسار قضائي لا يزال مفتوحا على فرضيات متعددة بشأن مصدر التعبئة وطبيعة التنظيم الذي سبق الأحداث.
وفي مقابل اللهجة التي تبناها أثنار، تمسكت الرباط الجمعة بخطاب أقل تصعيدا، إذ قال سفير المغرب لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي أحمد رضا الشامي إن معالجة قضايا الهجرة تستوجب “حوارا مفتوحا وصريحا وهادئا” وتعاونا يوميا لإيجاد حلول مشتركة ودائمة.
وجاء الموقف المغربي ردا على قرار للبرلمان الأوروبي بشأن أحداث سبتة، بعدما سعت أصوات سياسية وإعلامية في إسبانيا إلى تقديمه باعتباره إدانة أوروبية مباشرة للمغرب.
وقال الشامي إن النص المعتمد لا يتضمن “أي تجريم أو أمر موجه إلى المغرب”، مشيرا إلى أن عددا من التعديلات التي استهدفت المملكة لم تحصل على دعم الأغلبية، كما انتقد ما وصفه بحملات تحاول أن تنسب إلى القرار مواقف لم ترد في صيغته النهائية.
وبينما يدفع أثنار باتجاه نقل أزمة سبتة من مجال الهجرة والأمن إلى مستوى التدخل العسكري، يبقى التحقيق الإسباني نفسه منشغلا بأسئلة لم تحصل بعد على إجابات نهائية، من بينها مصدر الدعوات التي حركت عشرات الآلاف، وطريقة تنظيمها، ومدى استفادة السلطات الإسبانية من التحذيرات التي سبقت الأحداث.
ويجعل تزامن هذه التحقيقات مع تصاعد اللهجة السياسية داخل اليمين الإسباني ملف سبتة جزءا من صراع داخلي متزايد مع حكومة سانشيز، بقدر ما يبقى ملفا خلافيا في العلاقات مع المغرب، الذي يواصل التمسك بموقفه التاريخي من وضع المدينة ويدعو في المقابل إلى معالجة قضايا الهجرة عبر التعاون والحوار.

