بقلم: أيمن قادري
من رحاب العلم والتاريخ إلى تدبير الشأن الديني.. مسار رجلٍ جعل من الاعتدال والأمن الروحي ركيزةً في خدمة الدولة والمجتمع
هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك رجال تضيف المناصب إلى تجاربهم، وهناك فئة قليلة تصبح فيها المهمة والرجل والمؤسسة ثلاثية يصعب فصل بعضها عن بعض.
وفي المغرب، حيث يحتل الدين مكانة خاصة في بنية الدولة والمجتمع، يبرز اسم السيد أحمد التوفيق باعتباره واحدًا من رجال الدولة الذين ارتبط مسارهم بمرحلة كاملة من إعادة تنظيم وتطوير الحقل الديني المغربي.
منذ أن عيّنه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2002، ظل حاضرًا في هذا الموقع عبر حكومات متعاقبة، في استمرارية نادرة في الحياة الحكومية المغربية.
لكن الاستمرارية وحدها لا تصنع رجل دولة.
فالذي يجعل تجربة أحمد التوفيق جديرة بالتأمل هو أن الرجل دخل إلى الدولة من باب العلم والتاريخ والثقافة، لا من باب الصخب السياسي، وحمل إلى المسؤولية الحكومية تكوينًا أكاديميًا وثقافيًا جعله يتعامل مع الشأن الديني باعتباره مجالًا يحتاج إلى المعرفة والمؤسسات والتراكم، لا إلى الشعارات العابرة.
وهنا تبدأ قصة رجل دولة لم تصنعه الأضواء، وإنما صنعته المعرفة، والاستمرارية، والثقة، والعمل الهادئ.
من رحاب العلم إلى رحاب الدولة
لم يكن الطريق الذي قاد أحمد التوفيق إلى الوزارة طريقًا سياسيًا تقليديًا.
فالرجل أكاديمي ومؤرخ وباحث، راكم تجربة طويلة في الجامعة وفي خدمة التراث والوثيقة، قبل أن ينتقل إلى المسؤولية الحكومية.
تلقى تكوينه في مجال التاريخ، وانخرط في العمل الجامعي والبحث العلمي، وتولى مسؤوليات أكاديمية، من بينها إدارة معهد الدراسات الإفريقية بجامعة محمد الخامس.
كما اضطلع بمسؤوليات مرتبطة بالخزانة العامة والمكتبة والتراث الوثائقي، حيث ارتبط اسمه بالعناية بالمخطوطات والوثائق وتحديث طرق تدبير هذا الرصيد الثقافي الوطني.
ولم يكن التاريخ عنده مجرد تخصص جامعي، بل كان طريقة في النظر إلى المجتمع والدولة والإنسان.
ومن يقرأ أعماله التاريخية والأدبية يكتشف رجلًا شديد الاهتمام بالإنسان المغربي، وبالتحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المغرب عبر القرون.
ثم جاء انتقاله إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ليضع هذا الرصيد العلمي أمام امتحان مختلف تمامًا:
كيف يمكن تدبير الدين في دولة لها تاريخها وثوابتها وخصوصيتها، وفي عالم تتزايد فيه محاولات توظيف الدين في الصراعات السياسية والأيديولوجية؟
ثقة ملكية واستمرارية مؤسساتية
في السابع من نونبر 2002، عيّن جلالة الملك محمد السادس أحمد التوفيق وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية.
ومنذ ذلك التاريخ، توالت الحكومات، وتغيرت الظروف السياسية والاجتماعية والإقليمية، ومرت المنطقة بتحولات عميقة، لكن الرجل ظل في موقعه.
وهنا تصبح الاستمرارية ذات معنى.
فهي لا تعكس فقط ثقة في الكفاءة الإدارية، بل تعكس أيضًا ثقة في القدرة على الحفاظ على استقرار واستمرارية السياسة الدينية للمملكة.
وفي الحياة السياسية، قد يكون الوزير صاحب كفاءة، وقد يكون صاحب تجربة، لكن أن يستمر في مسؤولية بالغة الحساسية لأكثر من عقدين، فذلك يحمل دلالة مؤسساتية لا يمكن تجاهلها.
واللافت أن أحمد التوفيق لم يبن حضوره على الظهور الإعلامي أو المناورات السياسية، وإنما على الهدوء والانضباط والعمل المؤسساتي.
وهذه من صفات رجال الدولة الذين يدركون أن المنصب مسؤولية وليس امتيازًا.
حين يصبح الدين قضية دولة
منذ توليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ارتبط اسم أحمد التوفيق بإعادة تنظيم الحقل الديني المغربي وتطوير آليات تأطيره.
وقد كان ذلك جزءًا من رؤية أوسع لإبراز الخصوصية الدينية المغربية، القائمة على ثوابت راسخة:
إمارة المؤمنين، والعقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني.
فالهدف لم يكن صناعة دين جديد، وإنما حماية المرجعية الدينية المغربية من التشرذم ومن التأويلات المتطرفة، وترسيخ خطاب ديني منفتح ومتوازن.
ومن هنا جاء الاهتمام بتكوين الأئمة والخطباء والمرشدين والمرشدات، وتطوير المجالس العلمية، والعناية بالمساجد، وتنظيم التعليم العتيق، وتطوير قطاع الأوقاف.
لقد أصبح واضحًا أن المسجد في الرؤية المغربية ليس مجرد فضاء للعبادة، وإنما مؤسسة لها دور في بناء الإنسان وترسيخ السلم المجتمعي.
بعد 16 ماي.. معركة جديدة
كانت أحداث 16 ماي 2003 لحظة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث.
فقد أدركت الدولة أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني.
فالإرهاب قد يكون نتيجة لمسار طويل يبدأ بالفكرة، ثم الخطاب، ثم التطرف، ثم رفض الآخر، ثم تبرير العنف.
ومن هنا أصبحت مواجهة خطاب التطرف جزءًا أساسيًا من إصلاح الحقل الديني.
وفي هذا السياق برزت سياسة تأهيل الأئمة والمرشدين، وتعزيز المرجعية الدينية المغربية، وتطوير برامج التكوين والتأطير.
لقد انتقلت المعركة من مجرد مواجهة السلوك المتطرف إلى محاولة مواجهة الأرضية الفكرية التي يمكن أن تنتج التطرف.
وهذا فرق جوهري.
فمحاربة الإرهاب بالسلاح ضرورة أمنية، لكن محاربته بالفكر ضرورة حضارية.
تفكيك خطاب التطرف
التطرف لا يعيش فقط في التنظيمات.
إنه يعيش أيضًا في الكلمات.
في تفسير مبتور.
في نص يُقتطع من سياقه.
في خطاب يحول الاختلاف إلى عداوة، والعداوة إلى كراهية، والكراهية إلى عنف.
ومن هنا تأتي أهمية الإمام والعالم والمرشد.
فإذا كان المتطرف يستخدم النص الديني لتبرير العنف، فإن مواجهة ذلك لا تكون بشعارات عامة، وإنما بعلم ديني رصين قادر على إعادة النص إلى سياقه، وتصحيح المفاهيم، وتقديم قراءة متوازنة للإسلام.
وهذا هو أحد أهم الأبعاد الفكرية في التجربة المغربية.
معهد محمد السادس.. الاستثمار في الإنسان
شكل إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات محطة أساسية في هذه السياسة.
فالمغرب لم يكتف بتكوين أطر دينية داخلية، بل أصبح يستقبل أيضًا أئمة ومرشدين من عدد من الدول، خاصة في إفريقيا.
وهكذا انتقلت التجربة من كونها سياسة داخلية إلى نموذج للتعاون الديني الدولي.
إنها دبلوماسية مختلفة؛ دبلوماسية لا تقوم على البيانات السياسية، وإنما على العلم والتكوين والثقة والروابط الروحية.
إفريقيا.. العمق الروحي للمغرب
ولأن العلاقات المغربية الإفريقية ليست وليدة اليوم، كان طبيعيًا أن يكون التعاون الديني أحد جسور هذه العلاقة.
وتجسد ذلك في مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي أصبحت إطارًا للتواصل العلمي والديني بين علماء المغرب ونظرائهم في البلدان الإفريقية.
وفي هذا السياق يلتقي المؤرخ أحمد التوفيق مع رجل الدولة أحمد التوفيق.
فالتاريخ يقول إن المغرب لم يكن منفصلًا عن إفريقيا، والسياسة تقول إن إفريقيا هي أحد أهم الامتدادات الاستراتيجية للمملكة.
أما الدين والثقافة فيقدمان جسرًا أكثر عمقًا واستدامة.
الأوقاف.. ذاكرة المغرب وامتداد حضارته
لا تقتصر مهمة الوزارة على المساجد والخطاب الديني.
فالأوقاف جزء أساسي من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب.
وقد ظل تدبيرها والعناية بها أحد الملفات الكبرى للوزارة، إلى جانب المحافظة على المساجد والمرافق الدينية والتراثية.
وهنا أيضًا يظهر أثر عقلية المؤرخ.
فالمبنى الديني ليس حجرًا فقط.
إنه ذاكرة.
والوقف ليس مجرد ملكية عقارية.
إنه جزء من تاريخ المجتمع المغربي ونظامه الاجتماعي والثقافي.
رجل الدولة الهادئ
في زمن أصبح فيه الظهور الإعلامي معيارًا لدى البعض للحضور السياسي، اختار أحمد التوفيق طريقًا مختلفًا.
الهدوء.
التحفظ.
قلة الدخول في السجالات.
والعمل من داخل المؤسسة.
وقد لا يكون هذا الأسلوب مثيرًا، لكنه في تدبير الملفات الحساسة قد يكون مصدر قوة.
فرجل الدولة لا يحتاج إلى أن ينتصر في كل نقاش إعلامي.
يكفيه أن تنجح المؤسسة التي يديرها.
المؤرخ الذي يكتب التاريخ ويشارك في صناعته
من أجمل المفارقات في مسار أحمد التوفيق أنه أمضى سنوات طويلة في دراسة التاريخ، ثم وجد نفسه جزءًا من التاريخ المغربي المعاصر.
كان يقرأ كيف تشكلت المؤسسات.
ثم أصبح مسؤولًا عن واحدة منها.
كان يدرس أثر الدين في المجتمع.
ثم أصبح مسؤولًا عن تدبير جانب كبير من المجال الديني.
كان يبحث في الماضي.
ثم أصبح حاضرًا في صناعة سياسات سيأتي مؤرخون بعد عقود ليدرسوها.
وهذه المفارقة وحدها تجعل تجربته جديرة بالاهتمام.
حين يصبح الأمن الروحي جزءًا من الأمن الوطني
من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة المغربية أن الأمن ليس فقط أمنيًا أو عسكريًا.
هناك أيضًا أمن فكري وأمن روحي.
المجتمع الذي يمتلك مرجعية دينية واضحة، وعلماء مؤهلين، وأئمة مكونين، وخطابًا دينيًا متوازنًا، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأفكار التي تريد أن تستغل الدين لزرع الكراهية والعنف.
ومن هنا جاءت أهمية الإصلاح الديني في المغرب.
فهو ليس مشروعًا ضد الدين.
بل هو، في جوهره، مشروع لحماية الدين من التوظيف السياسي والتطرف الأيديولوجي.
أكثر من عشرين عامًا.. ماذا بقي؟
بقيت مؤسسات.
وبقيت برامج.
وبقيت مدرسة في التكوين.
وبقي نموذج مغربي أصبح محل اهتمام في مجال مواجهة التطرف.
وبقيت كذلك تجربة طويلة في تدبير الشأن الديني، ارتبط اسم أحمد التوفيق بجزء كبير منها.
لكن قبل كل ذلك، بقيت صورة رجل دولة اختار أن يعمل أكثر مما يتحدث، وأن يجعل من المؤسسة إطارًا للعمل، ومن العلم أساسًا للقرار، ومن الاستمرارية قيمة في تدبير الشأن العام.
الكتابة عن الشخصيات العمومية ليست بالضرورة مديحًا، وإنما قد تكون في أحيان كثيرة محاولة للإنصاف، خصوصًا في زمن تكثر فيه الأحكام السريعة وتختلط فيه المواقف بالانطباعات.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة أحمد التوفيق تستحق أن تُقرأ بهدوء، بعيدًا عن الحسابات الظرفية.
فالرجل يمثل حالة نادرة في الحياة العامة المغربية: أكاديمي ومؤرخ وروائي يتحول إلى رجل دولة، ثم يحافظ على موقعه لأكثر من عقدين في واحد من أكثر القطاعات حساسية.
وهذه ليست مسيرة عابرة.
إنها تجربة كاملة.
في نهاية المطاف، قد تختلف القراءات حول الأشخاص والسياسات، لكن هناك حقيقة يصعب تجاوزها:
أحمد التوفيق أصبح جزءًا من تاريخ تدبير الشأن الديني في المغرب الحديث.
رجل جاء من رحاب العلم، وحمل معه ثقافة المؤرخ والباحث، ثم دخل إلى الدولة من باب المسؤولية.
واجه مرحلة صعود التطرف والإرهاب، وساهم من موقعه في بناء مقاربة مغربية تقوم على أن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط عندما يحمل الإنسان السلاح، وإنما تبدأ عندما يتمكن الخطاب المتطرف من السيطرة على عقله.
وساهم، من موقعه، في ترسيخ منظومة تقوم على التكوين والتأطير والاعتدال، وعلى حماية المرجعية الدينية المغربية، وعلى جعل الأمن الروحي جزءًا من منظومة الاستقرار.
وقد يكون أجمل ما يلخص هذه التجربة أن أحمد التوفيق لم يجعل من نفسه عنوانًا للمؤسسة، بل جعل المؤسسة هي العنوان.
وهذه إحدى علامات رجل الدولة الحقيقي.
هناك رجال تمر بهم المناصب، وهناك رجال تمر المناصب بهم إلى التاريخ.
وأحمد التوفيق، بعد أكثر من عقدين في خدمة الشأن الديني المغربي، ينتمي إلى الصنف الثاني.
*باحث في قضايا الجغرافية السياسية والأمن والدفاع

