يحافظ أشراف ليبيا على حضور ديني واجتماعي متوارث منذ قرون، مستندين إلى أنساب تربطهم بآل بيت النبي محمد، فيما تعود جذور بعض أسرهم إلى المغرب الأقصى، قبل انتقال أجدادها عبر تونس واستقرارها في مناطق ليبية عدة.
ولا يشكل الأشراف قبيلة ليبية واحدة، بل يضمون أسرا حسنية وحسينية وإدريسية تقول إن أنسابها تتصل بالنبي محمد عبر ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب، ثم حفيديه الحسن والحسين.
وتستند هذه الأسر في توثيق أنسابها إلى مشجرات ووثائق متوارثة وشهادات علماء وأعيان، فضلا عن سجلات المحاكم والأوقاف والاعترافات الصادرة عن نقباء الأشراف والهيئات التي تمثلهم.
وتظهر وثيقة تاريخية اطلعت عليها «وطن24» نصا عربيا مكتوبا بخط اليد، تذيله عشرات الأختام والتوقيعات. ويعكس شكل الوثيقة اعتماد الشهادة الجماعية لإثبات مضمونها، وفق أعراف كانت سائدة في عدد من المدن الليبية خلال فترات تاريخية سابقة.

وفي يوليوز 2026، أعادت مراسلتان صادرتان من بنغازي ومسلاتة مسألة تمثيل الأشراف إلى الواجهة، بعدما أكدتا الاعتراف بالنقابة العامة للسادة الأشراف بليبيا، التي تتخذ من مسلاتة مقرا ويرأسها خليفة أحمد محمود العربي.
وحملت المراسلة الأولى، المؤرخة في 23 يوليوز، توقيع بوبكر عمر الشريف، الذي أعلن تبعيته للنقابة، وقدمها باعتبارها مظلة اجتماعية وثقافية وتاريخية للأشراف في ليبيا.
وبعد ستة أيام، أعلنت الرابطة الوطنية العلمية للسادة الأشراف، ومقرها بنغازي، اعترافها بالنقابة التي يرأسها خليفة أحمد محمود العربي، مشيرة إلى أنه تولى مسؤوليتها خلفا لشقيقه الراحل محمود.
وقالت الرابطة إن أسرة العربي تعاقبت على تحمل مسؤولية النقابة عبر أجيال، وربطت تاريخ المؤسسة بالعهد العثماني، في إشارة إلى استمرار وظيفة نقيب الأشراف رغم التحولات السياسية التي عرفتها ليبيا.
ويعود منصب نقيب الأشراف إلى نظام تبنته دول إسلامية عدة، قبل أن ينظمه العثمانيون داخل الولايات الخاضعة لحكمهم. وكان النقيب يتولى حفظ سجلات الأسر المنتسبة إلى آل البيت، وفحص وثائق النسب، وتمثيل الأشراف أمام السلطات، والتدخل في بعض القضايا المرتبطة بأفرادهم وأوقافهم.
ويرتبط الامتداد المغربي لبعض أشراف ليبيا خصوصا بالأسر الإدريسية الحسنية المنحدرة من إدريس الأول، مؤسس الدولة الإدريسية في المغرب أواخر القرن الثامن الميلادي.
وينحدر إدريس الأول من الحسن بن علي، وقد استقر في وليلي بعد وصوله إلى المغرب، قبل أن يؤسس دولة أصبحت مرجعا تاريخيا للأسر الإدريسية التي انتشرت فروعها لاحقا في مناطق مختلفة من المغرب العربي.
وساهمت التحولات السياسية وحركة العلماء والمتصوفة، إلى جانب طرق التجارة والحج، في انتقال بعض هذه الأسر شرقا عبر الجزائر وتونس وصولا إلى ليبيا.
وتبرز في مسلاتة فروع من الأشراف تربط رواياتها العائلية أصولها بالسلالة الإدريسية القادمة من المغرب. واستقرت هذه الأسر في المدينة ومحيطها، حيث ارتبط حضورها بتعليم القرآن والفقه وخدمة الزوايا واستقبال طلبة العلم وعابري السبيل.
كما ارتبطت المنطقة بتقاليد دينية وروحية انتقلت عبر بلدان المغرب العربي، ولا سيما الطرق الصوفية التي ساهمت في إقامة روابط بين الزوايا الموجودة في المغرب وتونس وليبيا.
ولا يشمل الأصل المغربي جميع أشراف ليبيا، إذ قدمت أسر أخرى عبر مسارات مختلفة من الحجاز ومصر وتونس والجزائر. وتوزعت فروعهم بين طرابلس ومسلاتة وزليتن ومصراتة وصرمان وبنغازي ودرنة وسبها ومدن أخرى.
ولم يقتصر دور الأشراف تاريخيا على حفظ الأنساب، إذ أسس بعضهم الزوايا والكتاتيب، وشاركوا في تدريس القرآن والفقه المالكي واللغة العربية، كما وفروا الطعام والإقامة للفقراء وطلبة العلم والمسافرين.
واضطلعت الزوايا المرتبطة بهم بأدوار في التكافل الاجتماعي، فضلا عن تدخل شيوخها وأعيانها لعقد الصلح وتسوية الخلافات بين الأسر والقبائل.
واستمد هؤلاء الوسطاء تأثيرهم من مكانتهم الاجتماعية وصلاتهم بمختلف المكونات المحلية، من دون أن تكون لهم صلاحيات قضائية أو تنفيذية رسمية.
ولا يزال هذا الدور قائما في ليبيا، حيث تشارك مجالس وهيئات مرتبطة بالأشراف في لقاءات تتناول المصالحة الوطنية والاستقرار المجتمعي، إلى جانب مجالس الأعيان والحكماء وممثلي القبائل.
وفي غشت 2023، بحثت وزارة الشؤون الاجتماعية الليبية مع وفد من نقابة الأشراف ومجلس أعيانهم في سبها سبل مساهمتهم في المصالحة ودعم الأمن المجتمعي.
ويمنح انتشار أسر الأشراف في مناطق الشرق والغرب والجنوب شبكاتهم الاجتماعية قدرة على التواصل عبر الحدود السياسية والمناطقية، في بلد ما تزال مؤسساته تعاني تداعيات الانقسام.
وتقدم النقابة نفسها باعتبارها مؤسسة تعمل على حفظ الأنساب والوثائق، وربط فروع الأشراف، وتنظيم الأنشطة الدينية والثقافية، والمساهمة في المصالحة وتسوية الخلافات الاجتماعية.
وفي امتداد لهذه الصلات التاريخية والروحية، أجرى وفد من السادة الأشراف القادمين من ليبيا، خلال شهر يوليوز الماضي، زيارة إلى المملكة المغربية شملت عددا من الزوايا والمعالم الدينية.
واستهل الوفد برنامجه بزيارة الزاوية الأم للطريقة القادرية البودشيشية في مدينة مداغ، حيث التقى شيخ الطريقة الحاج سيدي معاذ.
وشكل اللقاء مناسبة للاطلاع على منهج الزاوية في التربية والسلوك ودورها في نشر قيم الوسطية والمحبة وجمع الكلمة، فضلا عن تبادل وجهات النظر بشأن الروابط التي تجمع مكونات التصوف السني في بلدان المغرب العربي.

وتوجه الوفد بعد ذلك، إلى مدينة مكناس لزيارة الزاوية العيساوية، في محطة عكست عمق الصلات بين المدارس الصوفية المغربية ونظيراتها في ليبيا.
واستهل أعضاء الوفد زيارتهم بالتوجه إلى ضريح الشيخ الكامل سيدي محمد بنعيسى، مؤسس الطريقة العيساوية، حيث تليت آيات من القرآن ورفعت أكف الدعاء، كما استحضر المشاركون سيرته ودوره في نشر التربية الروحية وقيم الرحمة والتزكية.
وعقد الوفد لقاء مع نقيب الطريقة العيساوية في أجواء طبعتها الحفاوة، وتبادل الجانبان كلمات التقدير، مؤكدين أهمية الزوايا في حفظ ميراث العلماء والصالحين وترسيخ قيم الاعتدال والإخاء.
وشكلت الزيارة أيضا مناسبة لاستحضار عناية المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس بصفته أميرا للمؤمنين، بالمؤسسات الدينية والزوايا الصوفية، ودورها في نشر الإسلام الوسطي وتعزيز ثقافة السلم والتسامح.
وعبر أعضاء الوفد الليبي عن امتنانهم لحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة اللذين حظوا بهما خلال محطات الزيارة، معتبرين أن التواصل بين الزوايا المغربية والليبية يعزز روابط المحبة، ويدعم التقارب الديني والثقافي بين البلدين.
وبين الجذور الإدريسية الممتدة من المغرب والأدوار الاجتماعية التي يؤديها الأشراف في ليبيا، حافظت هذه الأسر على حضور يتجاوز توثيق الأنساب إلى التعليم والتكافل وحفظ الذاكرة والوساطة الاجتماعية، بالتوازي مع استمرار روابطها الروحية والتاريخية مع المغرب.

