أطلقت القوات البحرية الإسبانية دوريات معززة قرب جزيرة ليلى، الواقعة بمحاذاة السواحل الشمالية للمغرب، ما أعاد إلى الواجهة إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقات الثنائية، وسط صمت رسمي من الجانبين وترقب سياسي وإعلامي لمآلات هذه التحركات.
وشملت هذه الأنشطة تواجدا عسكريا في المياه القريبة من الجيوب الخاضعة للاحتلال الإسباني مثل بادس والجزيرة الجعفرية، مع تسجيل تحرك غير معتاد قرب جزيرة ليلى، التي سبق أن شهدت أزمة دبلوماسية بين البلدين سنة 2002.
ولم تصدر الحكومة الإسبانية أي توضيحات بشأن الغرض من هذه التحركات، كما لم يصدر أي رد فعل رسمي عن الرباط حتى الآن.
ويتزامن هذا التطور مع مرحلة دقيقة في المنطقة الغربية للمتوسط، حيث يلعب المغرب دورا محوريا في محاربة شبكات الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، في إطار تعاون وثيق مع عدد من العواصم الأوروبية.
ويطرح توقيت هذه التحركات العسكرية تساؤلات في الأوساط المتابعة، بالنظر إلى طبيعتها الرمزية وسياقها الإقليمي.
وتعاملت الرباط مع الوضع بكثير من الحذر، دون تعليق علني، غير أن متابعين للشأن الدبلوماسي يربطون هذه المناورة بسلسلة إشارات متوترة برزت في الأسابيع الأخيرة، بينها استقبال بعض القيادات الحزبية الإسبانية لممثلين عن الجبهة الانفصالية، وعودة نقاشات إعلامية داخلية في مدريد تستحضر قضايا السيادة بلغة تصعيدية.
من وجهة نظر المغرب، تندرج الجيوب الواقعة شمال المملكة ضمن وحدة ترابية غير قابلة للتجزيء، ويعتبر استمرار احتلالها وضعا شاذا لا ينسجم مع الجغرافيا ولا مع منطق حسن الجوار.
وترى الرباط أن هذه الملفات لا يمكن معالجتها خارج إطار الاعتراف المتبادل واحترام السيادة، كما هو منصوص عليه في الإعلان المشترك الموقع سنة 2022.
ويعتمد المغرب في مقاربته لهذا الملف على مزيج من الهدوء الاستراتيجي والتشبث الصارم بالحقوق التاريخية، دون اللجوء إلى خطوات انفعالية أو استعراضية. ويواصل تثبيت مواقفه داخل الهيئات الدولية، بالتوازي مع تعزيز زخم الدعم لمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، التي تحظى بمساندة متزايدة في الدوائر المؤثرة على الصعيد الدولي.
في المقابل، تثير هذه التحركات في إسبانيا ردود فعل متباينة، إذ تدافع بعض الأصوات عن منطق الوجود الرمزي في هذه المواقع، بينما تدعو تيارات أخرى إلى تجنب كل ما من شأنه تقويض التفاهم القائم مع الرباط، خصوصا في ظل تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والثقافية بين البلدين.
لم تُعرف بعد طبيعة المرحلة المقبلة، غير أن استدامة الاستقرار في العلاقات المغربية الإسبانية تبقى رهينة بوقف منطق فرض الأمر الواقع، والعودة إلى منطق الشراكة المبنية على الإنصاف والمصالح المتبادلة، بعيدا عن حسابات ظرفية قد تُعيد فتح ملفات تجاوزها منطق العصر.


