شرعت السلطات المغربية في تنفيذ مجموعة من التدابير لتطوير الخدمات الجمركية في نقطة العبور المؤدية الى مدينة سبتة المحتلة، معززة الحضور البشري والمعدات التقنية في سياق اصلاح شامل يروم تحسين جودة الاداء وتكريس السيادة الترابية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية اشمل تعتمدها المملكة لاعادة ضبط تدبير نقاط العبور المؤدية الى الثغور المحتلة، باعتبارها مناطق تماس ذات خصوصية سيادية، تستدعي حضورا مؤسساتيا متماسكا ومجهودا متواصلا لمواكبة الضغط المتزايد على البنيات الجمركية والخدماتية.
كما تعكس هذه التدابير تمسك الرباط بتجاوز منطق التدبير الظرفي، وتعويضه بنموذج قوامه الحرفية التقنية والرقابة الذاتية والجاهزية الميدانية، دون الوقوع في منطق التطبيع غير المباشر مع واقع الاحتلال المفروض من الجهة المقابلة.
واكدت وزارة الاقتصاد والمالية، في جواب عن سؤال برلماني، ان عدد اعوان الجمارك العاملين حاليا في هذا الموقع بلغ 90 عنصرا، في حين تم ايفاد 126 موظفا اضافيا من المديرية الجهوية لجهة طنجة تطوان الحسيمة لتعزيز المنظومة البشرية خلال فترة الذروة الصيفية، في انتظار تفعيل المخطط المرجعي للفترة 2025 – 2027، الذي ينص على تدعيم مستمر للموارد الجمركية في النقاط ذات الحساسية الترابية العالية.
ويستند هذا البرنامج الى مقاربة مندمجة تراعي ظروف الاشتغال الميداني وارتفاع الضغط الموسمي على هذه النقطة، لاسيما في ظل استمرار تدفقات الافراد والعربات من مدينة سبتة المحتلة نحو الداخل المغربي، سواء لاغراض تجارية او اسرية او سياحية، دون وجود اي اطار تنظيمي مشترك مع السلطات الإسبانية، التي تحاول فرض منطقها الامني على معبر لا تعترف الرباط بصفته الحدودية.
وفي الجانب التقني، افادت الوزارة بانه تم تجهيز عدد من الاعوان بكاميرات مراقبة تحمل على الجسم، تستخدم لتوثيق تدخلاتهم وتوفير مستوى عال من الشفافية والرقابة الذاتية، الى جانب تركيب منظومة للكشف بالاشعة مخصصة للعربات، ونظام رصد صوتي يسمح برصد المؤشرات غير المرئية للتهريب او التحايل.
كما شملت التجهيزات المعتمدة انشاء ممر مستقل للمشاة وتحديث بنية التفتيش المخصصة للمركبات، فضلا عن توفير مظلات حماية ومخارج مكيّفة لضمان راحة المستخدمين، في موقع يعرف تقلبات مناخية حادة وازدحاما مزمنا.
وعلى صعيد التكوين، يخضع اعوان الجمارك الى مسار تدريبي منتظم، يتضمن ورشات تقنية وتكوينا ميدانيا في مهارات التفتيش والتعامل مع المواقف الطارئة، الى جانب تكوينات في التواصل المهني وتدبير العلاقة مع المواطنين، بما يضمن توازنا بين الحزم الاداري واحترام الكرامة الانسانية.
اما في ما يخص المعدات المعلوماتية، فقد اكدت الوزارة ان نقطة العبور مجهزة بجميع الانظمة الرقمية الضرورية، من قبيل اجهزة المسح الضوئي، وآليات التتبع اللحظي، ومعدات ربط مؤمنة بالشبكة المركزية، مع وجود فرق صيانة مختصة تتدخل بشكل فوري لمعالجة اي اعطاب تقنية قد تطرأ على مستوى البرمجيات او الاجهزة.
ويُنظر الى هذه التدابير باعتبارها جزءا من تصور مؤسساتي اوسع تعتمده المملكة في تدبير علاقتها مع الثغرين المحتلين، يقوم على ترسيخ مبدأ السيادة التنظيمية، وتعزيز التحكم الوطني في تدفقات التنقل والبضائع، بعيدا عن منطق المعابر الثنائية او اشراف مشترك على المناطق الفاصلة.
ويرى متابعون ان اعتماد المغرب لتقنيات الرقابة المحمولة وكاميرات التتبع الفردي يندرج ضمن توجه امني استباقي، لكنه في الآن ذاته يعكس ارادة سياسية في ترسيخ نموذج شفاف وخاضع للمساءلة، يقطع مع الصور النمطية التي ارتبطت طويلا بتدبير هذه النقاط من طرف اعوان في ظروف عمل محدودة الامكانيات.
وتثير هذه التحولات اهتمام عدد من المراقبين الاوروبيين الذين دأبوا على قراءة وضعية سبتة ومليلية من زاوية تهريب السلع او تدفق المهاجرين، في حين يقدم المغرب، من خلال مقاربته التقنية والتنظيمية، تصورا مغايرا يعيد تعريف العلاقة مع هذه النقاط باعتبارها مسالك عبور نحو الداخل الوطني، لا بوابات مشتركة او مناطق رمادية تحت اشراف مزدوج.

