وطن 24 من الرباط
في خطوة تعكس حجم التخبط الذي يطبع قرارات النظام الجزائري إثر توالي الانتصارات الدبلوماسية المغربية، كشفت تقارير دولية عن لجوء قصر المرادية إلى سلاح “الابتزاز الاقتصادي” في مواجهة باريس.
وتضمنت أحدث حلقات هذا التصعيد إصدار تعليمات بوقف صادرات الأسمدة إلى السوق الفرنسية، في رد فعل انتقامي على إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يوليو 2024، اعتراف بلاده الصريح بالسيادة المغربية على الصحراء.
ويكشف هذا التصعيد، الذي أوردته وكالة “رويترز” للأنباء الجمعة استنادا إلى مصادر دبلوماسية ومهنية أوروبية، عن انتقال العجز الجزائري في إدارة الخلافات السياسية إلى تقويض المبادلات التجارية.
وتثير هذه القيود غير المعلنة، التي تفتقر إلى الشفافية، قلقاً متزايداً بشأن التداعيات على العلاقات الاقتصادية الشاملة مع الاتحاد الأوروبي، الذي ترتبط معه الجزائر باتفاق شراكة يبدو أن السلطات الجزائرية تضرب ببنوده عرض الحائط.
ونقلت الوكالة عن خمسة مصادر دبلوماسية وفي قطاع الأسمدة، أن السلطات الجزائرية وجهت تعليمات “شفوية” و”غير رسمية” للمنتجين بوقف تصدير مادة “اليوريا” إلى فرنسا.
ويأتي هذا الإجراء بعد فرض قيود شبه شاملة منذ أواخر يوليوز الماضي على استيراد المنتجات الفرنسية، وفق إفادات ستة دبلوماسيين فرنسيين وأوروبيين.
وتبرز المفارقة التي تعكس ارتباك النظام الجزائري في كون هذه الإجراءات العقابية لم تقترن بأي قرار رسمي مكتوب، سواء تعلق الأمر بتعليق صادرات اليوريا أو بمنع استيراد المنتجات الفرنسية. بل إن دبلوماسيين أفادوا بأن الجزائر لجأت إلى “إنكار” وجود قيود تجارية عندما واجهها المسؤولون الفرنسيون بالأمر، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب الشفافية في إدارة الدولة وافتقارها لأدنى مقومات الالتزام بالاتفاقيات التجارية المبرمة مع الشركاء الأوروبيين.
ابتزاز اقتصادي يقلق أوروبا
ويكتسب هذا التصعيد أهميته من محاولة الجزائر استغلال حاجة القطاع الزراعي الفرنسي، إذ تمثل الإمدادات الجزائرية نحو 30 في المئة من إجمالي واردات فرنسا من مادة “اليوريا”، الأساسية لإنتاج الأسمدة النيتروجينية.
وفي هذا السياق، دقت الجمعية الفرنسية لصناعة الأسمدة “أفكوم” وجمعية منتجي القمح “AGPB” ناقوس الخطر إزاء هذه الممارسات، محذرتين من أن التلاعب الجزائري بالإمدادات يأتي في ظرف حساس يواجه فيه المزارعون الفرنسيون ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج واضطرابات عالمية، ما يصنف كتوظيف سياسي غير مسؤول للتبادل التجاري.
وقد دفع هذا السلوك وزارة الخارجية الفرنسية إلى التأكيد على أنها لم تتلق أي إخطار رسمي بهذه التدابير، مشددة على أن القضايا التجارية تندرج ضمن الاختصاص الحصري للاتحاد الأوروبي، ما يعني أن الجزائر تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع التكتل الأوروبي بأسره وليس فقط مع باريس.
نقل الملف إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي
ولم يقف الخلاف عند حدود العلاقات الثنائية، حيث أثار وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قضية “القيود التعسفية” الجزائرية خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 12 أكتوبر الجاري.
وأكد ملخص أوروبي للاجتماع أن فرنسا وضعت التكتل في صورة التدابير التجارية العدائية التي تتخذها الجزائر. ويعتبر مراقبون أن هذا التطور ينقل القضية من خلاف ثنائي إلى أزمة مؤسساتية أوروبية-جزائرية، ويسلط الضوء على عدم موثوقية الجزائر كشريك تجاري واستراتيجي لأوروبا.
وتأتي هذه التطورات بعد مرور أكثر من عامين على الدينامية الجديدة التي شهدتها قضية الصحراء المغربية، والتي توجت بالقرار التاريخي لباريس باعتبار حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان حصرياً ضمن السيادة المغربية، واعتماد مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع المفتعل.
وهو القرار الذي أثار حفيظة النظام الجزائري ودفعه لسحب سفيره، ليؤكد للعالم مجدداً أنه الطرف الرئيسي والأساسي في هذا النزاع الإقليمي، رغم محاولاته الدائمة التنصل من مسؤولياته.
ويعكس هذا التصعيد ضد فرنسا حالة من “العزلة الإقليمية والدولية” التي يعيشها النظام الجزائري، وهو ما ينسحب أيضاً على علاقاته المتوترة مع دول عربية كبرى. فقد تدهورت علاقات الجزائر مع دولة الإمارات العربية المتحدة وصولا إلى القطيعة في شتنبر الماضي، حيث وجهت الجزائر اتهامات غير مبررة لأبوظبي التي تقف بوضوح إلى جانب الحقوق المشروعة للمغرب في صحرائه، ما يؤكد أن “عقدة الصحراء المغربية” باتت المحدد الوحيد والأوحد للسياسة الخارجية الجزائرية، حتى وإن كان الثمن تدمير علاقاتها الدولية.
وتعكس الأرقام الاقتصادية حجم الخسائر التي تتكبدها المبادلات بين البلدين جراء هذه السياسات غير المحسوبة؛ إذ انخفضت الصادرات الفرنسية إلى الجزائر بنسبة تقارب 12 في المئة خلال عام 2025 (4.2 مليار يورو)، مع تسجيل انخفاض مماثل في الأشهر الثمانية الأولى من 2026. وفي المقابل، تراجعت الواردات الفرنسية من الجزائر (أساساً المحروقات) بنسبة 18 في المئة في 2025 و11 في المئة حتى أغسطس 2026.
ويرى الباحث في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، أن الجزائر تحاول يائسة ممارسة ضغوط مسبقة قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027، في ظل إدراكها لرسوخ الموقف الفرنسي المؤيد للمغرب.
وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه التخبطات، يبقى المؤكد – بحسب مسؤولين في قطاع الزراعة الفرنسي – أن الاعتماد على شريك يمزج بين المزاجية السياسية والالتزامات الاقتصادية بات يشكل خطراً حقيقياً، في وقت يستمر فيه النظام الجزائري في تكريس عزلته عبر تحويل بوصلته الدبلوماسية إلى سلسلة من الأزمات المفتعلة مع محيطه الإقليمي والدولي.

