تحت سماء صافية ونسيم معتدل، تستعيد الشواطئ الشمالية للمملكة شيئا من طابعها العمومي بعد سنوات من الفوضى التي حجبت متعة الاصطياف عن فئات واسعة من الزوار.
لا أثر للتجهيزات المفروضة، ولا مشادات بسبب مظلات تحتكر الفضاء، ولا عروض خدمات تُفرض على المصطافين بالقوة. فوضى الأمس تراجعت بشكل شبه تام، وظهرت بوادر موسم صيفي يتسم بمزيد من الانضباط والتنظيم.
هذا التحول لم يكن نتاج ظرفية عابرة، بل ثمرة مسار من التدخلات الحازمة التي باشرتها السلطات منذ مطلع يونيو، بتوجيه واضح نحو تحرير الفضاءات الشاطئية من الاستغلال غير القانوني، وتحسين شروط استقبال المواطنين في الشواطئ، سواء في الفضاءات الحضرية أو الشبه القروية.
وقد جرت التدخلات بشكل يومي، وداخل لجان ميدانية مختلطة، شملت ممثلي السلطات الترابية، الاجهزة الامنية، واعوان الجماعات الترابية.
تفكيك اقتصاد غير مهيكل
وقد كان الاستغلال غير المرخص للملك البحري يشكل موسما موازيا للاقتصاد غير المهيكل، تتحكم فيه شبكات صغيرة تنشط موسميا، وتفرض قواعدها الخاصة على المجال.
وتشير شهادات وشكايات خلال السنوات الماضية، إلى بعض الافراد كانوا يحتلون مساحات شاسعة من الشاطئ، ويعرضون خدمات للكراء دون رخص، بل انهم في حالات كثيرة كانوا يمنعون الزوار من استعمال معداتهم الشخصية، مما حول الفضاء العمومي الى امتياز مؤدى عنه بقوة الامر الواقع.
ولسنوات، كانت هذه الممارسات تمر دون تدخل حازم، إما بسبب ضعف المراقبة، او التساهل مع الانشطة الموسمية التي تعتبر مصدرا مؤقتا للدخل في بعض المجالات.
لكن هذه السنة، اظهرت السلطات موقفا اكثر وضوحا، من خلال تفكيك عدد من نقاط الاحتلال، وحجز التجهيزات التي نصبت دون سند قانوني، وتوجيه انذارات فورية للمخالفين.
وقد لوحظ لأول مرة تقليص فعلي لمساحات الاحتلال غير المشروع، وانخفاض في مستوى الشكاوى المرتبطة بابتزاز الزوار او فرض خدمات عليهم. هذا المنحى يعكس تحولا في منطق التدبير، حيث لم تعد الفوضى جزءا من الامر الواقع، بل اصبحت مؤشرا على اختلال في الحكامة يتطلب المعالجة.
رهان الاستدامة والانصاف
التحولات الايجابية المسجلة في مستهل الموسم لا تضمن وحدها نجاح التجربة. فالتحدي الاهم يتمثل في قدرة السلطات على تثبيت هذه المكتسبات طيلة الصيف، خصوصا مع ارتفاع الضغط على الشواطئ، وتزايد الحركية السياحية، وعودة المغاربة المقيمين في الخارج.
ولذلك، تطرح مسألة الاستدامة كشرط اساسي. لا يكفي تفكيك مظاهر الفوضى في يونيو، اذا كانت ستعود بصيغ اخرى في يوليوز وغشت. التنظيم الناجع يمر عبر اعتماد آليات دائمة، تشمل وضوح دفاتر التحملات، التتبع اليومي، وتحديد حدود دقيقة لما يمكن الترخيص به في الشواطئ.
وفي قلب هذا الورش، تبرز مسؤولية الجماعات الترابية، باعتبارها الجهة المفوضة قانونيا لاعداد دفاتر الشروط، والاشراف على منح الرخص المؤقتة، وتحديد التزامات المستغلين.
كما تقع على عاتقها مسؤولية ضمان احترام مبادئ المساواة في الولوج، وعدم السماح بتحويل الشاطئ الى فضاء امتيازي يخضع لمنطق الريع الموسمي.
فما يُبنى هذا الصيف قد يتحول الى نموذج عملي في تدبير الفضاءات الشاطئية، او قد يُجهض تحت ضغط الاعراف والمصالح العابرة. لكن ما يظهر حاليا، ولو بتحفظ، هو انفتاح جديد في علاقة المواطن بالشاطئ، قائم على الهدوء، والكرامة، والحق في الترفيه دون وساطة او ابتزاز.

