أعادت قضية مساعد الطيار العماني همام الحمامي، المشتبه في محاولته السيطرة على طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» كانت متجهة إلى تل أبيب، ملف توظيف الطيارين الأجانب لدى الخطوط الملكية المغربية إلى الواجهة، وسط تساؤلات بشأن ظروف مغادرته الشركة المغربية، وطبيعة التعاقد عبر وسطاء، ومدى التدقيق في الخلفيات المهنية والأمنية للطيارين المستقدمين من الخارج.
ونشرت صحيفة «الصحيفة»، السبت، إفادات قالت إنها حصلت عليها من مصادر داخل الخطوط الملكية المغربية، تفيد بأن رواية الشركة بشأن استبعاد الطيار العماني لا تتطابق مع المعطيات التي قدمتها تلك المصادر، التي تؤكد أنه غادر بمحض إرادته بعد حصوله على عرض من «فلاي دبي». ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هذه الإفادات.
وتعود القضية إلى 30 شتنبر الماضي، عندما شهدت الرحلة «إف زد 1073» التابعة لـ«فلاي دبي»، والمتجهة من دبي إلى تل أبيب، حادثا قالت السلطات الإماراتية إن مساعد الطيار العماني استخدم خلاله فأس الطوارئ للاعتداء على قائد الطائرة ومحاولة السيطرة عليها. وانتهى الحادث بتدخل أفراد من الطاقم والركاب، قبل هبوط الطائرة اضطراريا في مطار تبوك السعودي، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وتتولى الإمارات التحقيق الجنائي في الواقعة، فيما فتحت السعودية تحقيقا في جوانب السلامة الجوية، مع مشاركة ممثل عن المجلس الوطني الأمريكي لسلامة النقل. كما باشرت إسرائيل مراجعة أمنية للحادث، بحسب التقرير.
وفي الثالث من أكتوبر الجاري، أصدرت الخطوط الملكية المغربية توضيحا عقب تداول تقارير إعلامية بشأن مرور الحمامي عبر الشركة. وقالت إن الطيار خضع سنة 2025 لتكوين نظري استمر ثلاثة أشهر، في إطار التحضير لتوظيف محتمل، قبل استبعاد ترشيحه، من دون الكشف عن تاريخ القرار أو أسبابه.
غير أن مصادر مقربة أشارت إلى أن الحساب المهني للطيار يورد ارتباطه بالخطوط الملكية المغربية بين يونيو 2025 ويناير 2026. ونقلت عن مصادرها أن الحمامي تقدم بطلب للانضمام إلى «فلاي دبي» خلال فترة تقييمه لدى الشركة المغربية، وأنه أنهى ارتباطه بـ«لارام» بعد قبول العرض الإماراتي، قبل مغادرة المغرب في يناير والتحاقه بالشركة الجديدة في فبراير من السنة نفسها.
ويطرح هذا الاختلاف في الروايات أسئلة بشأن طبيعة العلاقة التعاقدية التي ربطت الطيار بالشركة المغربية، والمرحلة التي بلغها مسار توظيفه، والأسباب الفعلية لانتهاء ذلك الارتباط. ولا تكفي المعطيات المنشورة وحدها لحسم هذه النقاط أو تحديد المسؤوليات المرتبطة بها.
ويتجاوز الجدل ظروف مغادرة الطيار العماني إلى نموذج توظيف الطيارين الأجانب لدى الخطوط الملكية المغربية. ووفقا للصحيفة، تتراوح التقديرات التي قدمتها مصادرها بشأن عدد هؤلاء الطيارين بين أكثر من 150 ونحو 200 طيار.
وكان الرئيس المدير العام للشركة، عبد الحميد عدو، قد أعلن في نونبر 2025 خطة لاستقدام نحو 200 طيار أجنبي بعقود محددة المدة، بهدف مواكبة توسع الأسطول إلى حين استكمال تكوين الطيارين المغاربة.
وتقول مصادر مؤكدة إن الشركة تعتمد على وسطاء دوليين لاستقطاب طيارين من جنسيات مختلفة، من بينها الروسية والتونسية والأردنية، مشيرة إلى شركات مثل «بروكفيلد أفييشن» البريطانية و«إيرو بروفيشنال» و«فلايت كرو إنترناشيونال» و«ريشورث أفييشن».
وتضيف المصادر أن الوكالات الوسيطة تتولى دفع أجور الطيارين بالعملة الأجنبية، مقابل تحويلات مالية من الشركة المغربية، فضلا عن عمولات شهرية قالت إنها تقارب 550 دولارا عن كل طيار. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من تفاصيل هذه الترتيبات أو من مدى انطباقها على جميع عقود التوظيف المعنية.
كما أورد التقرير معطيات بشأن حكم قضائي بريطاني صدر سنة 2015 يتعلق بشركة «بروكفيلد أفييشن»، في سياق شبهات مرتبطة بالضرائب والاشتراكات الاجتماعية ضمن ترتيبات لتشغيل طيارين. ولا يثبت ورود هذه المعطيات، في حد ذاته، وجود مخالفات في العقود التي تربط الشركة بالخطوط الملكية المغربية.
وتثير طريقة استقدام الطيارين الأجانب نقاشا بشأن الفوارق بين أوضاعهم التعاقدية وأوضاع الطيارين المغاربة. فبحسب التقرير، تمر عمليات توظيف الطيارين المغاربة عبر شركة «أطلس مولتيسيرفيس»، التابعة للخطوط الملكية المغربية، والتي تتولى الوساطة في التوظيف وتوفير الموارد البشرية للمجموعة.
وترى مصادر مطلعة أن تعدد الوسطاء والشركات المتدخلة في التوظيف قد يطرح إشكالات تتعلق بالالتزامات الاجتماعية والضريبية، وبالتمثيل المهني للطيارين، ومدى وضوح مسؤولية الشركة الأم في العلاقة التعاقدية. وتظل هذه الملاحظات منسوبة إلى المصادر التي نقل عنها التقرير، في غياب معطيات مستقلة كافية لتقييم جميع العقود المعنية.
ويعيد الملف أيضا إلى الواجهة مطالب سابقة لجمعية طياري الخطوط المغربية بشأن مغربة وظائف قيادة الطائرات والحد من استقدام الربابنة الأجانب. ويشير التقرير إلى أن الجمعية واجهت مسارا قضائيا انتهى بحلها في نونبر 2020، قبل تأييد القرار استئنافيا في يونيو 2021.
لكن السؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه القضية يتعلق بآليات التحقق من خلفيات الطيارين قبل تشغيلهم، ولا سيما عندما يتم استقدامهم عبر شركات وسيطة. ويشمل ذلك مدى مراجعة سجلاتهم المهنية لدى المشغلين السابقين، وطبيعة التقييمات الأمنية المعتمدة، والجهات المسؤولة عن استكمال إجراءات التدقيق.
وفي انتظار اتضاح نتائج التحقيقات المتعلقة بحادث طائرة «فلاي دبي»، يبقى الفصل بين الوقائع المثبتة والادعاءات المنقولة ضروريا، فيما تتجه الأسئلة إلى مدى كفاية إجراءات التوظيف والرقابة المعتمدة لدى شركات الطيران، وقدرتها على ضمان السلامة الجوية وتحديد المسؤوليات بوضوح.

