أعاد تقرير صحفي بلجيكي حديث تسليط الضوء على الدور التاريخي الذي لعبه المهاجرون المغاربة في بناء الاقتصاد البلجيكي وتشكيل ملامح المجتمع المعاصر، بعدما انتقل حضورهم، خلال أكثر من ستة عقود، من العمل في المناجم والمصانع إلى المشاركة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.
وأوضح التقرير، الذي نشرته صحيفة «The Brussels Times»، الاثنين 26 أكتوبر 2026، أن الهجرة المغربية إلى بلجيكا لم تكن مجرد استجابة لحاجة اقتصادية مؤقتة إلى اليد العاملة، بل تحولت إلى أحد العوامل التي ساهمت في إعادة تشكيل المجتمع البلجيكي، خصوصاً مع استقرار العائلات المغربية وظهور أجيال جديدة أصبحت جزءاً من النسيج الوطني.
واستعاد التقرير، الذي أعده أحمد مدهون وكريستوف سوكال، الظروف التاريخية التي دفعت بلجيكا إلى البحث عن عمال أجانب خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ولا سيما بعد كارثة منجم «بوا دو كازييه» سنة 1956، التي خلفت 262 قتيلاً وأثرت في استقدام العمال الإيطاليين الذين كانوا يشكلون قوة أساسية داخل القطاع المنجمي.
وفي هذا السياق، اتجهت السلطات البلجيكية إلى استقطاب اليد العاملة المغربية، قبل أن يوقع البلدان اتفاقية لتنظيم الهجرة سنة 1964، فتحت المجال أمام وصول آلاف العمال المغاربة للعمل في المناجم والصناعات الثقيلة والبناء.
وأشار التقرير إلى أن عدداً مهماً من المهاجرين الأوائل قدموا من مناطق مغربية مختلفة، بينها منطقة الريف، مدفوعين بالظروف الاقتصادية الصعبة وبالبحث عن فرص عمل تتيح لهم تحسين أوضاع أسرهم.
غير أن هؤلاء العمال واجهوا ظروفاً مهنية واجتماعية قاسية، شملت العمل في قطاعات عالية المخاطر والإقامة في مساكن جماعية متواضعة، فضلاً عن صعوبات الاندماج داخل مجتمع تختلف لغته وثقافته عن محيطهم الأصلي.
ومع مرور السنوات، تحولت الهجرة من تجربة فردية مؤقتة إلى استقرار عائلي دائم، بعدما التحقت الزوجات والأبناء بالعمال، لتنشأ أحياء ومجتمعات محلية تضم أعداداً متزايدة من الأسر ذات الأصول المغربية.
وساهم هذا التحول في تغيير التركيبة السكانية لعدد من المدن البلجيكية، خصوصاً بروكسل والمراكز الصناعية، كما فتح المجال أمام ظهور مؤسسات وجمعيات مدنية تدافع عن حقوق المهاجرين وتحسين ظروف عيشهم.
وسلط التقرير الضوء على التحولات التي عرفتها الأجيال اللاحقة، إذ انتقل أبناء وأحفاد العمال المغاربة إلى مجالات التعليم العالي والطب والإعلام وريادة الأعمال والفنون والسياسة، ووصل بعضهم إلى مواقع مسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة والحكومية.
واعتبر أن هذا المسار يعكس انتقال الجالية المغربية من وضعية العمال الوافدين إلى موقع المواطنين الذين يساهمون في صياغة الحياة العامة، رغم استمرار تحديات مرتبطة بالتمييز الاجتماعي وصعوبات الولوج إلى بعض فرص العمل والسكن.
كما توقف التقرير عند الجهود الثقافية الرامية إلى توثيق ذاكرة الهجرة المغربية، من خلال شهادات العمال الأوائل وتجارب أسرهم، مبرزاً أهمية الحفاظ على هذا الإرث التاريخي ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وفي هذا الإطار، تناول مشروع «Belgica Biladi»، الذي يوثق تاريخ الوجود المغربي في بلجيكا من خلال أعمال بحثية وثقافية وشهادات شخصية، بهدف إبراز مساهمة المهاجرين في التحولات التي شهدتها البلاد.
ويطرح التقرير قراءة مختلفة لتاريخ الهجرة المغربية، تتجاوز التركيز على قضايا الاندماج والهوية لتسلط الضوء على مساهمات اقتصادية واجتماعية غالباً ما لا تحظى بالاهتمام الكافي في السرديات التقليدية لتاريخ بلجيكا.
وبعد أكثر من ستين عاماً على توقيع اتفاقية الهجرة بين الرباط وبروكسل، بات الوجود المغربي جزءاً من التاريخ المعاصر لبلجيكا، في تجربة بدأت بالبحث عن العمل داخل المناجم والمصانع، وانتهت إلى حضور متعدد الأبعاد في مختلف مجالات الحياة العامة.

