حمزة الحساني*
بين يدي الذكرى المجيدة لعيد العرش، وفي حضرة الخطاب الملكي السامي، نجد أنفسنا أمام “إشارة” ربانية ختم بها جلالة الملك نصّه، لتكون هي “المبتدأ” و”المنتهى”: (إن الله لا يضيع أجر المحسنين).
إن هذا الختم ليس مجرد تبركٍ بآيات الذكر الحكيم، بل هو “مقام الترقي” الذي يدعو إليه جلالته الأمة المغربية؛ فالإحسان في لغة العارفين هو أن تعبد الله كأنك تراه، وفي لغة “بناء الدولة” هو أن تتقن العمل كأنه أمانةٌ تُعرض على الحق سبحانه.
مقام الإحسان: من السجادة إلى الصناعة
حين تنتهي الكلمات الملكية بهذه الآية، فإنها تعلن أن “المغرب” في رؤية جلالته ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو “محرابٌ للعمل”، فالإحسان هنا يتجاوز طقوس العبادة المحصورة، ليفيض على سائر المعاملات:
في الصناعة: الإحسان هو “الإتقان” الذي يجعل المنتج المغربي رقماً صعباً في معادلة الوجود، وهو “تجلٍّ” لصدق النية مع الوطن.
في التنمية: الإحسان هو “العدل” و”الإنصاف”، ورؤية المحتاج بعين الرحمة، والاشتغال على نهضة البلاد كأنها “وردٌ” يومي لا يقبل التراخي.
في الإدارة: الإحسان هو “الأمانة” التي هي سر الروح في جسد المؤسسات.
أجرٌ لا يضيع: ثقة العارف بالمدد
الآية تحمل بشرى “الضمان الإلهي”؛ فكل جهدٍ يُبذل في سبيل رفعة هذا الوطن، وكل عرقٍ يسيل في ورشٍ تنموي، هو “قربة” إلى الله، إن جلالة الملك، بصفته “راعي الحمى”، يربط المصير الوطني بالسنن الإلهية: من أحسنَ البذر، تولى الله ضمان الحصاد،
هذا النفس الصوفي في الخطاب ينقلنا من ضيق “الحسابات المادية” إلى سعة “البركة الربانية”، فالأجر هنا ليس مادياً فحسب، بل هو “الأثر الطيب”، والاستقرار، ورضا النفس، ورفعة الشأن بين الأمم.
الإشارة والعبارة
إن دعوة الخطاب الملكي للإحسان هي دعوة لـ “تزكية العمل”، فكما يُزكي الصوفي روحه بالذكر، يُزكي المواطن والمسؤول واقعهما بالعمل المتقن، إنها رسالة تقول: “اجعلوا من تطور المغرب صلاةً صامتة، ومن صناعته ذكراً ملموساً، ومن تنميته إحساناً ممدوداً”.
ختاماً، إن قول الحق (إن الله لا يضيع أجر المحسنين) في نهاية الخطاب، هو دعوة لكل مغربي ليدخل “خلوة الإنجاز” بقلب المحسن، طامعاً في أجرٍ لا ينقطع، ووطنٍ لا ينحني، تحت رعاية ملكٍ جعل من “الإحسان” منهاجاً للحكم، وطريقاً للوصل بين العرش والشعب.
*باحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان

