ربما لم تُعرف عنه جملة واحدة طيلة أكثر من عشرين سنة قضاها على رأس المديرية العامة للدراسات والمستندات (لادجيد)، لكن محمد ياسين المنصوري ظلّ دائم الحضور في خلفية القرارات السيادية والملفات الحساسة، من تنسيق جهود مكافحة الإرهاب، إلى رصد التهديدات الإقليمية، فنسج التحالفات الأمنية والدبلوماسية عبر القارات، بصمت رجل لا يظهر، لكنه يُمسك بالخيوط.
وُلد المنصوري في بني ملال سنة 1962، وتخرّج من مدرسة الحقوق بجامعة محمد الخامس في الرباط، قبل أن يتلقى تكويناً عسكرياً في أكاديمية مكناس.
لكن التحول الحاسم في مساره بدأ حين التحق بزمالة الملك محمد السادس في المدرسة المولوية، حيث نشأت العلاقة التي ستمنحه لاحقاً ثقة استثنائية داخل دائرة القرار الملكي.
في سنة 1999، تولّى رئاسة وكالة المغرب العربي للأنباء، وكانت تلك أولى خطواته في الإدارة العليا، لكن تعيينه في 2005 على رأس “لادجيد” مثّل التحول الجذري في المشهد الأمني للمملكة.
فقد انتقل الجهاز، الذي تأسس في منتصف الخمسينات كهيئة موجهة نحو الاستخبارات الخارجية، إلى مرحلة جديدة من الحضور الفعال، مقرونة بمهارات الدبلوماسية الأمنية، التي جعلت من المغرب شريكا يُعتد به في ملفات مكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وحماية العمق الإفريقي من اختراقات الجماعات المتطرفة.
..برز اسم محمد ياسين المنصوري كأحد مهندسي الرؤية الأمنية والاستراتيجية للمغرب في ملف الصحراء، ليس فقط من زاوية الدفاع عن الوحدة الترابية، بل أيضاً من خلال تثبيت المغرب كفاعل إقليمي..
ولا يُعرف عن المنصوري أي ميل للأضواء، ولا تُسجّل له خرجة إعلامية واحدة، حتى أن صورته المتداولة ظلت واحدة، ثابتة، ورغم ذلك، فإن حضوره في قلب الأحداث المفصلية غالباً ما يُستنتج من نتائجه لا من ظهوره؛ من إعلان عن تفكيك شبكة دولية، أو عن تعاون أمني حاسم مع قوى كبرى، أو حتى من ملامح الاستقرار في محيط مضطرب.
وفي قلب هذا الحضور الهادئ، برز اسم محمد ياسين المنصوري كأحد مهندسي الرؤية الأمنية والاستراتيجية للمغرب في ملف الصحراء، ليس فقط من زاوية الدفاع عن الوحدة الترابية، بل أيضاً من خلال تثبيت المغرب كفاعل إقليمي يُراكم الشرعية السياسية والاستخباراتية.
فقد عملت “لادجيد” تحت قيادته على تحصين الجبهة الداخلية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز شبكات الرصد الاستخباراتي لمواجهة التحركات المعادية، سواء من طرف جبهة البوليساريو أو من قبل الأطراف الداعمة لها، خاصة في منطقة الساحل.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن بصمة المنصوري كانت حاضرة في محطات متعددة، سواء في إطار تنسيق الجهود مع بعثات الأمم المتحدة، أو من خلال الدور غير المعلن للجهاز في مرافقة الدبلوماسية المغربية على مستوى العواصم المؤثرة.
فقد واكبت “لادجيد” المعركة الجيوسياسية المتعلقة بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وكذا في ضبط وتفنيد روايات خصوم المملكة، في صمت وفعالية تتجاوز منطق التصريحات إلى منطق النتائج.
أما بعد موجة الاضطرابات التي عرفتها المنطقة منذ 2011، فقد وجد المغرب نفسه أمام خارطة جديدة من التهديدات، امتدت من انهيار المؤسسات في ليبيا، إلى تمدد التنظيمات المتطرفة في الساحل وغرب إفريقيا، وصولاً إلى التوترات الحدودية مع الجزائر.
وكان من اللافت أن المغرب لم ينجُ فقط من الانهيارات، بل برز كواحة استقرار ومركز لتبادل المعلومات الأمنية إقليمياً ودولياً. وهنا، لعب المنصوري دوراً مركزياً في بناء شبكة تعاون مع أجهزة متعددة، من بينها “السي آي إيه” الأمريكية، و”دي جي إس إي” الفرنسية، إلى جانب شراكات سرية مع عدد من الدول الإفريقية.
هذا الدور عزز المكانة الاستراتيجية للمغرب في المعادلة الأمنية بالمنطقة، خاصة مع تفاقم تهديدات “داعش” و”القاعدة” وظهور جماعات مسلحة هجينة على تخوم مالي والنيجر.
ومع كل تفكيك لخلية إرهابية، أو كشف عن مخطط دولي جرى إحباطه على التراب المغربي، كانت إشارات ضمنية تُوجه نحو قوة الأجهزة الأمنية المغربية، والتي تبقى “لادجيد” عقلها الاستراتيجي، ورجلها الأبرز… دون أن يطلّ في أي صورة.
من اللافت أن المغرب لم ينجُ فقط من الانهيارات، بل برز كواحة استقرار ومركز لتبادل المعلومات الأمنية إقليمياً ودولياً. وهنا، لعب المنصوري دوراً مركزياً في بناء شبكة تعاون مع أجهزة متعددة
لا يُعرف متى سينسحب من المشهد، أو إن كان سيُعلن ذلك أصلاً، لكن المؤكد أن محمد ياسين المنصوري خطّ ملامح مدرسة مغربية في العمل الاستخباراتي، قوامها التدرج، والفعالية، والتخفي وراء النتائج لا وراء الألقاب.
هكذا يبقى الأقوى في عالم لا تصنعه التصريحات بل تكتبه التقارير، الأقوى هو من يعرف كل شيء عن الجميع، دون أن يعرف عنه أحد شيئًا.

