وطن 24 من الرباط
يتجه المغرب إلى طرح استراتيجية جديدة للتعاون الدولي في مجال الهجرة، تسعى إلى منح دول الجنوب دورا أكبر في وضع السياسات المشتركة مع شركائها في الشمال، في مبادرة دبلوماسية تستهدف مراجعة نموذج التعاون القائم، بعد أن أظهرت الأزمات المتكررة محدودية قدرته على معالجة التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية.
وكشف السفير فؤاد يازوغ، مدير الشؤون السياسية الدولية بوزارة الشؤون الخارجية المغربية، أن المملكة تطمح إلى أن تصبح أول دولة من الجنوب تتقدم إلى شركائها في الشمال بمقترح جديد للتعاون في هذا المجال، بعدما ظلت المبادرات المتعلقة بتدبير الهجرة تصدر، في الغالب، عن الدول الشمالية.
وقال المسؤول الدبلوماسي، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” اليوم السبت، إن الأزمات التي شهدها ملف الهجرة أثبتت أن النموذج الحالي للتعاون لم يعد يعمل بالصورة المطلوبة، أو أنه يواجه على الأقل صعوبات واختلالات تستدعي مراجعته.
وأوضح أن هذه الأزمات تبرز الحاجة إلى البحث عن مقاربات جديدة للتعامل مع ظاهرة الهجرة غير النظامية، في ظل التحولات التي تعرفها مساراتها والتحديات المتزايدة التي تواجه الدول المعنية.
وتقدم تصريحات يازوغ أول توضيحات دبلوماسية مغربية بشأن التوجه الجديد الذي أعلن عنه الملك محمد السادس، أمس الجمعة، خلال افتتاح الدورة التشريعية الجديدة للبرلمان، عندما كشف اعتزام المملكة تقديم وثيقة استراتيجية إلى شركائها تتضمن تصورا جديدا للتعاون يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ويتمثل المستجد الذي كشفه المسؤول المغربي في رغبة الرباط في الانتقال من موقع الشريك المشارك في تنفيذ السياسات المتفق عليها إلى موقع الطرف الذي يتقدم بمبادرة لإعادة النظر في نموذج التعاون نفسه، ويعرض على شركائه مقترحاته بشأن القواعد التي ينبغي أن تحكم هذا التعاون.
ويضع هذا التوجه المغرب في موقع المبادرة داخل النقاش الدولي بشأن الهجرة، انطلاقا من تجربته في تدبير التدفقات البشرية وموقعه الجغرافي الذي يجعله بلدا للمصدر والعبور والاستقبال، فضلا عن دوره في التعاون الإقليمي بين إفريقيا وأوروبا.
وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطابه البرلماني أن المقاربة المتوازنة التي يعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة حققت نتائج ملموسة، لكنه أقر بأن نموذج التعاون الحالي أصبح متجاوزا، معتبرا أن الأزمات المتكررة تقدم الدليل على الحاجة إلى مراجعته.
وأعلن العاهل المغربي أن المملكة ستقدم إلى شركائها وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يرمي إلى ترسيخ التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وتحدد هذه المرتكزات الثلاثة الإطار العام للمبادرة المغربية المرتقبة، التي تضع التنمية الاقتصادية والاستقرار ضمن أولويات التعاون المرتبط بالهجرة، إلى جانب الجهود الرامية إلى مكافحة التدفقات غير النظامية والشبكات التي تنشط في تنظيمها.
ويأتي إدراج التنمية المشتركة ضمن هذا التوجه امتدادا للمواقف التي دافع عنها المغرب خلال السنوات الماضية في المحافل الإفريقية والدولية، والتي دعت إلى معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة وعدم اختزال الظاهرة في التدابير الأمنية وإجراءات مراقبة الحدود.
وسبق للمغرب أن قدم، في إطار مسؤوليته عن ملف الهجرة داخل الاتحاد الإفريقي، تصورا يدعو إلى اعتماد مقاربة إفريقية مشتركة تراعي المصالح التنموية للقارة، وتتعامل مع الهجرة باعتبارها ظاهرة إنسانية واقتصادية تستدعي سياسات متكاملة.
كما احتضنت مراكش في دجنبر 2018 المؤتمر الحكومي الدولي الذي اعتمد الميثاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، في خطوة عززت الحضور المغربي في المبادرات متعددة الأطراف المتعلقة بتدبير الهجرة.
وتستند السياسة المغربية في هذا المجال أيضا إلى الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي أطلقتها المملكة سنة 2013، وشملت عمليات لتسوية أوضاع مهاجرين أجانب وإجراءات مرتبطة بإدماجهم الاجتماعي والاقتصادي.
وفي المقابل، حافظ المغرب على تعاون أمني وعملياتي مع شركائه الأوروبيين في مكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ومراقبة المسارات البرية والبحرية التي تستغلها هذه الشبكات.
وتمنح هذه التجربة الرباط خلفية عملية لطرح مقترحاتها الجديدة، خاصة أن المملكة تتعامل مع الهجرة من موقعين متداخلين، يتعلق الأول بمسؤولياتها تجاه المهاجرين الموجودين فوق أراضيها، ويرتبط الثاني بالتزامات التعاون مع الدول المستقبلة للهجرة.
وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطابه الأخير أن المغرب رسخ مكانته الدولية باعتباره شريكا مسؤولا وموثوقا، يلتزم بتعهداته وينتظر من شركائه التعامل معه بالقدر نفسه من المسؤولية.
وشدد في هذا السياق على أن الشراكة تقوم على اختيار سيادي والتزام طوعي، ولا ينبغي أن تخضع لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، في تأكيد للموقف المغربي بشأن طبيعة الالتزامات المتبادلة مع الدول الشريكة.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ضوء المسؤوليات التي تتحملها بلدان جنوب المتوسط في الحد من الهجرة غير النظامية، وما يرافق ذلك من تحديات قانونية وإنسانية ومالية تتطلب تنسيقا مستمرا مع الدول الأوروبية.
وكان الملك محمد السادس قد أشار إلى التقدم الذي أحرزه التعاون مع إسبانيا في هذا المجال، لكنه نبه إلى استمرار صعوبات ترتبط ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تعرقل إعادة القاصرين وأشخاص ينتحلون صفة اللاجئين، بحسب ما ورد في الخطاب الملكي.
واعتبر أن استمرار هذه الاختلالات يغذي نشاط الشبكات الإجرامية التي تستغل الهجرة غير النظامية، وهو ما يضع مراجعة الآليات القانونية والتنظيمية ضمن القضايا المطروحة في العلاقات مع الشركاء.
ولم يكشف يازوغ عن التفاصيل الإجرائية التي ستتضمنها الوثيقة الاستراتيجية الجديدة، أو عن موعد تقديمها، كما لم تعلن الرباط حتى الآن ما إذا كانت المبادرة ستقترح اتفاقات إضافية أو ترتيبات مؤسساتية جديدة لتنظيم التعاون.
غير أن تصريحات المسؤول المغربي حددت أحد أبرز معالم التوجه المرتقب، وهو أن تتولى دولة من الجنوب تقديم تصور إلى شركائها في الشمال، بدلا من الاكتفاء بالتفاعل مع المبادرات التي تقترحها الدول المستقبلة للهجرة.
ويندرج هذا التوجه ضمن مسعى مغربي لإعادة تحديد موقع الدول الإفريقية في التعاون الدولي بشأن الهجرة، من خلال الاعتراف بمصالحها التنموية ومسؤولياتها المشتركة، وإشراكها في تحديد الأولويات والالتزامات.
ومن المنتظر أن تتضح الصيغة العملية لهذا التوجه عند عرض الوثيقة المغربية على الشركاء المعنيين، بما يسمح بالتعرف على المقترحات التي ستقدمها الرباط بشأن مستقبل التعاون في مجال الهجرة، وحدود الانتقال من الآليات الحالية إلى نموذج يرتكز على التنمية المشتركة والاستقرار والمصالح المتبادلة.

