لم تكن نساء وفتيات قرى أيت باعمران، على تخوم الصحراء المغربية، يبدأن يومهن في المدارس أو الحقول، بل في طريق طويل تحت الشمس بحثا عن الماء.
لسنوات، حملن فوق رؤوسهن قنينات تتجاوز أحيانا 20 كيلوغراما، وقطعن مسافات تستغرق ساعات لتأمين حاجيات أسرهن. اليوم، تغير المشهد. الماء يصل إلى المنازل عبر صنابير، بفضل شبكات ضخمة تجمع الضباب في جبل بوتْمَزكيدة، في الأطلس الصغير.
وتقوم التقنية على مبدأ بسيط. شبكات من البوليمر، مثبتة بأعمدة فولاذية على ارتفاع يفوق 1200 متر، تعترض كتل الضباب القادمة من المحيط الأطلسي. تتحول الرطوبة إلى قطرات ماء، ثم تنساب نحو خزانات، قبل أن تصل عبر أنابيب تمتد لأكثر من عشرة كيلومترات إلى القرى المجاورة.
ولا يحتاج النظام إلى آبار أو محركات كبيرة. كما يعتمد على ألواح شمسية صغيرة لتقليص استهلاك الطاقة، وعلى مواد يسهل إصلاحها محليا.
وتبلغ مساحة الشبكات في جبل بوتْمَزكيدة نحو 600 متر مربع. وتتيح، في ظروف مناخية مناسبة، جمع ما يصل إلى 64 لترا من الماء لكل متر مربع في اليوم، وفق معطيات المشروع.
وتقف وراء المبادرة منظمة “دار سي حماد” المغربية، التي بدأت العمل على المشروع منذ سنة 2006، بهدف تخفيف عبء البحث عن الماء عن سكان المنطقة، خصوصا النساء والفتيات.
لكن وصول الماء من الضباب لم يلق قبولا فوريا. فقد تعامل بعض السكان في البداية بحذر مع ماء “لا يخرج من الأرض”. وارتبط هذا التردد بمخاوف صحية ودينية. غير أن الموقف تغير مع مرور الوقت، بعدما لمس السكان أثر المشروع على حياتهم اليومية.
وكانت الفائدة الأبرز في تعليم الفتيات. فبدل قضاء ساعات في حمل الماء، عادت كثيرات إلى المدرسة. كما نظمت المنظمة دروسا في القراءة والكتابة لفائدة نساء المنطقة، حتى يتمكن من التعامل مع الهواتف والإبلاغ عن الأعطاب في شبكة الأنابيب.
ويحمل المشروع بعدا اجتماعيا واضحا. فجمع الماء كان مهمة يومية مرتبطة بدور النساء داخل الأسرة. ومع انتهاء هذا العبء، احتاجت بعضهن إلى وقت للتكيف مع واقع جديد يمنحهن وقتا أكبر للتعلم والعمل ورعاية الأسرة.
وتقدم التجربة المغربية نموذجا عمليا لمواجهة ندرة المياه في المناطق الجبلية الجافة، حيث يتوفر الضباب ولا تتوفر مصادر مائية كافية. كما حظي المشروع بتقدير من الأمم المتحدة سنة 2016، بوصفه مبادرة ملائمة للتكيف مع تغير المناخ ومواجهة التصحر.
ورغم أن التقنية لا تصلح لكل المناطق، لأنها تحتاج إلى جبال مرتفعة وضباب كثيف، فإن تجربة أيت باعمران تظهر أن حلول أزمة الماء لا تمر دائما عبر منشآت ضخمة ومكلفة. ففي هذه القرى المغربية، جاء الماء من السماء، لا من الآبار.


