تتسارع المؤشرات الميدانية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط نحو تراجع ملموس للنفوذ الإيراني، بعد عقود من تمدد طهران عبر شبكة واسعة من الفصائل المسلحة.
وتدفع التطورات الأخيرة، بدءا من تداعيات حرب غزة وصولا إلى تهاوي قيادات أذرعها الإقليمية، مراقبين إلى الحديث عن طي صفحة جيوسياسية طبعت المنطقة لعقود.
وتلقت الاستراتيجية الإيرانية، التي استندت طويلا إلى بسط النفوذ في دول عربية مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان، ضربات قاصمة في الآونة الأخيرة.
وشكلت عمليات استهداف القيادات العليا لحزب الله اللبناني ومقتل أمينه العام حسن نصر الله، إلى جانب السقوط المتسارع للنظام السوري والاحتجاجات الداخلية المتعاقبة في إيران، نقاط تحول محورية في تحجيم قدرات طهران الإقليمية.
وفي قراءة لهذه التحولات، يرى المفكر والكاتب المغربي حسن أوريد أن هذه التطورات المتلاحقة لا تمثل مجرد انتكاسات ظرفية، بل تؤسس لما يصفه بـ”نهاية الحقبة الإيرانية”.
ويعتبر أوريد في تحليل نُشر مؤخرا أن الثورة الإيرانية، التي غيرت الثقافة السياسية في الشرق الأوسط وساهمت في استقواء الأقليات الشيعية ودعم تيارات الإسلام السياسي، “بدأت في الجَزر”.
ويشبه الأكاديمي المغربي الارتدادات المرتقبة لهذا التراجع بالاهتزاز الذي عرفه الاتحاد السوفياتي قبيل سقوط جدار برلين.
ويجمع محللون على أن طهران، التي استغلت الفراغ الاستراتيجي إبان سقوط نظام صدام حسين للتحكم في قرارات عواصم عربية، تجد نفسها اليوم مجبرة على الانكفاء والتراجع من التأثير المباشر إلى محاولة احتواء الخسائر.
ولا يقتصر هذا الانحسار على البعد العسكري المتمثل في ضعف وكلاء إيران، بل يمتد إلى تراجع الجاذبية الأيديولوجية التي رافقت هذا المشروع التوسعي.
وبحسب أوريد، فإن إغلاق هذه الحقبة سيحدث تغييرا عميقا في الثقافة السياسية للعالم العربي، متوقعا أن يتزامن هذا المسار مع “تراجع الإسلام السياسي عموما” بوصفه تيارا دخل في أزمة حقيقية.
وأمام الفراغ الذي يخلفه هذا التراجع والتغيرات في أدوار القوى الدولية الكبرى، تبرز العودة إلى المؤسسات النظامية كخيار حتمي للأنظمة العربية.
ويخلص أوريد، متقاطعا مع العديد من القراءات الجيوسياسية الإقليمية، إلى أن الإطار العقلاني الوحيد لاستيعاب هذه المرحلة الانتقالية هو “الدولة”، مشددا على أن “المواطنة” تظل الرابط الأمتن لمواجهة الانتماءات الطائفية التي هددت أمن الدول وسبيكة المجتمعات طيلة “الحقبة الإيرانية”.

