الرباط – حمزة الحساني
يحافظ الاستاذ احمد التوفيق على حقيبة وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، ضمن تشكيلة حكومة 2026-2031 التي حظيت اليوم الجمعة 4 جمادى الاولى 1448 هـ الموافق لـ 16 اكتوبر 2026م، بالاستقبال الملكي بالقصر الملكي بالرباط برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويعد التوفيق، الذي يشغل المنصب منذ سنة 2002، اقدم وزير في تاريخ الحكومات المغربية الحديثة، واحد ابرز وجوه الاستمرارية المؤسساتية التي تحظى بثقة مولوية عالية، بالنظر الى المسار الاصلاحي العميق الذي قاده في تدبير الشأن الديني.
من المؤرخ الى مهندس الامن الروحي
جاء تعيين احمد التوفيق، المزداد سنة 1943، والباحث والمؤرخ المتخصص في تاريخ التصوف المغربي وخريج كلية الاداب بالرباط، في سياق مفصلي اعقب احداث 16 ماي 2003.
ومنذ ذلك الحين، اضطلع بمهمة اعادة هيكلة الحقل الديني وفق مقاربة مغربية اصيلة، تقوم على ثلاث مرتكزات، العقيدة الاشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، وامارة المؤمنين كضامن للوحدة الدينية.
وخلال اكثر من عقدين، اشرف التوفيق على جيل من الاصلاحات التي غيرت بنية الوزارة:
اولا، تأطير المساجد والقيمين الدينيين، احداث ميثاق العلماء، وتوحيد خطبة الجمعة، واطلاق برنامج تأهيل الائمة والمرشدات، وتحسين الوضعية المادية والاجتماعية للقيمين الدينيين عبر مؤسسة محمد السادس للنهوض بالاعمال الاجتماعية.
ثانيا، تجفيف منابع التطرف، اغلاق المجال امام الفتوى غير المؤطرة، واطلاق خطة ميثاق لتكوين الائمة في اوروبا وافريقيا، وتأسيس معهد محمد السادس لتكوين الائمة المرشدين والمرشدات بالرباط، الذي اصبح نموذجا دوليا يصدر التجربة المغربية في محاربة التطرف الى دول الساحل والصحراء واوروبا.
ثالثا، التحصين المؤسساتي، اصلاح مديريات الاوقاف، وعصرنة تدبير الاملاك الوقفية، ورقمنة خدمات الحج، واطلاق قناة واذاعة محمد السادس للقرآن الكريم كاداة للتوجيه الوسطي.
ويرى متتبعون ان استمرار التوفيق على رأس الوزارة، رغم تعاقب ست حكومات، يعكس رهان الدولة على الاستقرار في تدبير الحقل الديني، واعتباره مجالا سياديا لا يخضع لمنطق التداول الحكومي، بل لمنطق الاستراتيجية طويلة المدى التي يشرف عليها جلالة الملك بصفته امير المؤمنين.
تحديات المرحلة المقبلة
ورغم ما تحقق، لا يزال المسار الاصلاحي مفتوحا على اصلاحات اكثر جرأة وصلابة، كما تؤكد ادبيات الوزارة. فالمرحلة المقبلة 2026-2031 تفرض تحديات جديدة، تتعلق برقمنة الخطاب الديني ومواجهة التطرف الرقمي، وتأطير التدين في العالم الافتراضي، وتدبير الزوايا والطرق الصوفية كرافعة للتنمية المحلية، وتطوير الوقف كالية للاقتصاد الاجتماعي.
ان بقاء العلامة احمد التوفيق في منصبه، اليوم، ليس مجرد تجديد لوزير، بل تأكيد على استمرارية نموذج مغربي في التدين الوسطي المعتدل، اثبت نجاعته اقليميا ودوليا، في وقت تتقاطع فيه الازمات الهوياتية في المنطقة.
سائلين الله تعالى ان يوفقه وباقي اعضاء حكومة السيدة المنصوري لما فيه خدمة ثوابت الامة ومصالحها العليا.

