لم يكن التلويح الأوروبي بتوظيف ورقتي التجارة والتأشيرات للضغط على المغرب في ملف الهجرة، مجرد رد فعل على أحداث مدينة سبتة الأخيرة، بل أعاد طرح سؤال أعمق حول موازين القوى في الشراكة بين ضفتي المتوسط.
وفي وقت ترفض فيه الرباط لعب دور “دركي أوروبا”، تبدو اليوم مسلحة بهوامش اقتصادية وتحالفات متنوعة تجعل من محاولة إخضاعها خيارا مكلفا لبروكسل نفسها.
وكان مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر قد اعتبر في تصريحات أمام البرلمان الأوروبي، أن ارتهان أوروبا لتعاون دول الجوار يضعها في موقف “هش”، داعيا لاستعمال كل أدوات الضغط المتاحة.
في المقابل، لخص مصدر حكومي مغربي الموقف بالقول إن المملكة “ليست دركيا”، مشددا على أن تدبير تدفقات الهجرة مسؤولية مشتركة بين دول ذات سيادة، وليست خدمة تتعهد بها دولة لحساب أخرى.
بين الاندماج وكلفة الضغط
وبين الموقفين، يبرز ميزان القوة الاقتصادي. فالاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك التجاري الأول للمغرب بتجارة سلع بلغت 62.2 مليار يورو في عام 2025. لكن قراءة هذه الأرقام تفيد بأن العلاقة تجاوزت منطق التصدير التقليدي إلى اندماج صناعي بالغ التعقيد.
وتشير المعطيات إلى أن نحو نصف واردات الاتحاد من المغرب، بقيمة 12.9 مليار يورو، تتعلق بالآلات ومعدات النقل.
فخلال العقد الأخير، تحول المغرب إلى منصة صناعية رئيسية داخل سلاسل القيمة المحيطة بأوروبا، حيث تنتج مجموعات مثل “رونو” و”ستيلانتيس” مئات الآلاف من السيارات انطلاقا من طنجة والقنيطرة، مدعومة بشبكة واسعة من موردي قطع الغيار.
ويطرح هذا التشابك تحديا أمام أي تفكير أوروبي في فرض قيود تجارية، لأن العقوبات لن تقتصر على المصدر المغربي فحسب، بل ستعطل بالضرورة خطوط إمداد حيوية لمصانع أوروبية مرتبطة بالإنتاج في المملكة.
كما أن دخول فاعلين جدد، على غرار مجموعة “غوشن” الصينية التي تقود استثمارا بـ 1.3 مليار دولار لإنتاج البطاريات في المغرب وتوجيهها نحو أوروبا، يجعل فكرة معاقبة المغرب تجاريا بمثابة استهداف غير مباشر لشبكة الإمداد الأوروبية ذاتها.
وإلى جانب هذا الاندماج، راكمت الرباط هوامش مناورة إضافية عبر سياسة تنويع الشركاء. فقد رفعت المملكة مبادلاتها مع بريطانيا، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، إلى 4.7 مليارات جنيه إسترليني في 2025، ووظفت اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 7.4 مليارات دولار.
ولا يقدم هذا التنويع، إلى جانب الحضور الآسيوي المتنامي، بديلا كاملا عن السوق الأوروبية، لكنه يكسر احتكار القرار الاقتصادي، ويقلص قدرة شريك واحد على تحويل الاعتماد التجاري إلى أداة ابتزاز سياسي.
شراكة يصعب إخضاعها
ويتعزز هذا الهامش المغربي بحاجة أوروبا الماسة للتعاون الأمني على الأرض. وتشير أرقام اللجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، إلى أن الرباط أحبطت أكثر من 227 ألف محاولة للهجرة غير النظامية، وفككت ما يزيد عن 1050 شبكة للتهريب بين عامي 2023 و2025.
وتترجم هذه الحصيلة كلفة أمنية ومالية ثقيلة تتحملها المملكة، ما يفرغ سياسة التهديد الأوروبية من جدواها، إذ تصبح مطالبة الرباط بأداء وظيفة أمنية أوسع مقابل العقاب الاقتصادي معادلة غير قابلة للاستمرار.
ويجمع مراقبون على أن سيناريو “القطيعة” يظل مستبعدا لصالح استمرار المساومة. فالمغرب، وإن كان لا يستطيع الاستغناء تماما عن فضائه الأوروبي الطبيعي والأقرب، إلا أنه يمتلك في عام 2026 بنية صناعية قوية، وموقعا لوجستيا استراتيجيا، وأوراقا أمنية ودبلوماسية تمنحه قدرة حقيقية على قول “لا”، وتحصين شراكته من أي تبعية سياسية.

