أطلقت المفوضية الأوروبية ميثاقا جديدا يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات مع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، في محاولة لإرساء شراكة متعددة المحاور تتجاوز منطق المساعدات الظرفية نحو تعاون مهيكل على المدى المتوسط والطويل.
ويحمل الميثاق، الذي حمل عنوان “الميثاق من أجل المتوسط”، طابعا استراتيجيا واضحا، إذ يشمل عشر دول تعد شريكة للاتحاد الأوروبي في الفضاء المتوسطي، من بينها المغرب، الجزائر، تونس، مصر، ليبيا، فلسطين، لبنان، الأردن، سوريا، وإسرائيل.
غير أن المغرب برز ضمن الوثيقة بوصفه فاعلا محوريا، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي، بل أيضا لكونه الدولة الوحيدة التي استحضرت كمثال على الشراكة المنتظمة التي تمثل ركيزة قابلة للتوسيع في التصور الأوروبي الجديد.
وبينما يتوزع الميثاق على خمسة محاور رئيسية تشمل التكامل التجاري، التحول الطاقي، الرقمنة، إدارة الهجرة، والتبادل الأكاديمي والثقافي، فقد حرصت المفوضية على إدماج مقاربة تشاركية في الإعداد، شملت مشاورات ميدانية نظمت في عدد من العواصم الشريكة، بما في ذلك الرباط. وقد اعتبر تنظيم هذه الورش داخل المغرب إشارة صريحة إلى وزنه التفاوضي وموقعه داخل النسق الجديد.
ويرتبط الميثاق بمجموعة من الأهداف الاقتصادية والوظيفية، من بينها تسهيل دمج دول الجنوب في سلاسل التوريد الأوروبية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والمواد الأولية الاستراتيجية.
كما يقترح آليات جديدة لتسريع مشاريع الطاقة المتجددة، لا سيما تلك المرتبطة بالهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي، وهي ملفات يعد المغرب طرفا أساسيا فيها، نظرا لما راكمه من تجارب في البنيات التحتية والاستثمارات العابرة للقارات.
علاوة على ذلك، يبرز الميثاق رهانات بروكسل في مجال الرقمنة والتعليم العالي، حيث تقترح المفوضية إطلاق مبادرات مشتركة تشمل دعم المهارات الرقمية، وإنشاء ما سمته “جامعة متوسطية” تتيح للطلبة والأطر الأكاديمية تنقلات منظمة بين الشمال والجنوب.
بيد أن الوثيقة لم تغفل ملف الهجرة، إذ حافظت على مقاربة مزدوجة توازن بين دعم التنمية في دول الجنوب وتشديد التنسيق في مراقبة الحدود. وينتظر أن يشكل هذا الجانب أحد محاور التعاون المعمق بين الرباط وبروكسل، خاصة وأن المغرب يعتبر بلد عبور واستقرار في الآن ذاته، مما يضعه في قلب آليات “الإدارة المشتركة” التي يدفع بها الاتحاد.
ورغم الطابع المتعدد لهذا الميثاق، فقد عبرت منظمات مدنية وحقوقية عن تحفظات بشأن ما وصفته باختزال الشراكة في منطق وظيفي، مشيرة إلى أن الوثيقة لم تخصص حيزا كافيا لقضايا الديمقراطية والحكامة، واكتفت بتعابير عامة عن “المشاركة المجتمعية”.
في المقابل، يرى متابعون أن الميثاق يشكل نافذة لإعادة التموقع الإقليمي بالنسبة للمغرب، الذي يتوفر على مؤهلات تؤهله للعب دور المزود الطاقي، والرابط الصناعي، والجسر التعليمي بين إفريقيا وأوروبا. كما أنه، خلافا لعدد من الدول المشمولة، يراكم استقرارا مؤسساتيا يسمح له بالدخول في التزامات طويلة الأمد ضمن منطق الشريك المنتج، لا المستفيد الظرفي.
وبين طموح بروكسل وموازين الجنوب، تظل فعالية هذا الميثاق رهينة بمدى ترجمة نوايا الوثيقة إلى التزامات متوازنة، تحترم السيادة وتضمن مصلحة الطرفين، لا سيما حين يكون الشريك المعني مثل المغرب، أكثر من مجرد جار… بل فاعل بصيغة الند.

