رغم التحسن النسبي في مؤشرات التنمية البشرية خلال العقد الأخير، لا تزال مظاهر الفقر المتعدد الأبعاد والفوارق الاجتماعية والمجالية تُقيّد فعالية البرامج العمومية وتحدّ من أثرها على الفئات الأكثر هشاشة في المغرب.
ويستند هذا التشخيص إلى تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط بعنوان: “محاربة الفقر، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، التنمية البشرية والمساواة بين الجنسين بالمغرب: التقدم المحرز والتحديات القائمة”، والذي يرصد تطور الأوضاع بين سنتي 2000 و2024، مع التركيز على الاختلالات البنيوية التي ما زالت تعيق تعميم أثر التنمية.
فقد سجل معدل الفقر المتعدد الأبعاد انخفاضًا من 11,9 في المئة سنة 2014 إلى 6,8 في المئة سنة 2024، غير أن هذا التراجع لم يكن كافيًا لتقليص الخريطة الترابية للفوارق، إذ ما تزال 72 في المئة من الأشخاص المصنفين ضمن هذا الفقر يعيشون في الوسط القروي.
ويعزى ذلك، حسب التقرير، إلى محدودية الرصيد التعليمي، الذي يمثل السبب الأبرز لهذه الوضعية بنسبة 47,5 في المئة، متبوعًا بنواقص الرعاية الصحية (30,5 في المئة)، ثم شروط العيش (22 في المئة).
وفي حين شهد الوسط الحضري تحسنًا طفيفًا، إذ تراجع معدل الفقر المتعدد الأبعاد من 4,1 إلى 3 في المئة، فقد ظل الوسط القروي يعاني من فجوة عميقة رغم التراجع من 23,6 إلى 13,1 في المئة، ما يعكس عمق التفاوت البنيوي بين المجالين.
إلى جانب ذلك، يبرز التقرير تدهورا جديدا في مؤشرات الفوارق الاجتماعية، إذ ارتفع مؤشر جيني من 38,5 في المئة سنة 2019 إلى 40,5 في المئة سنة 2022، ليبلغ بذلك مستوى قريبا من ما كان عليه في مطلع الألفية.
كما ارتفعت مساهمة أغنى 10 في المئة من السكان في الإنفاق الوطني إلى 48,1 في المئة، مقابل 6,7 في المئة فقط للفئات الأفقر، وهو ما يعكس عودة مقلقة إلى وضعية توزيع غير متوازن للمكاسب.
ويُضاف إلى ذلك تحوّل جزئي في جغرافيا الهشاشة، إذ سجّلت المدن ارتفاعًا لافتًا في نسبة الفقر النقدي، حيث ارتفع عدد الفقراء الحضريين من 109 آلاف سنة 2019 إلى أكثر من 512 ألفًا سنة 2022.
كما صعدت نسبة الأشخاص في وضعية هشاشة حضرية من 4,6 إلى 9,5 في المئة، ما يكشف عن امتداد الفقر نحو الفضاءات الحضرية التي كانت أقل تأثرًا في السابق.
وبناء على هذه المعطيات، يدعو التقرير إلى ضرورة تجاوز المقاربات القطاعية الضيقة، واعتماد سياسات ترابية دامجة، ترتكز على العدالة المجالية وربط الاستثمار بالأثر الاجتماعي.
كما يشدد على ضرورة تطوير أدوات الاستهداف والمراقبة، من خلال مؤشرات دقيقة تساعد على ضبط الفجوات وضمان فعالية السياسات العمومية داخل مختلف جهات المملكة.

