من جيش ناشئ مع بداية استقلال المملكة إلى قوة إقليمية حديثة متعددة الأذرع، راكمت القوات المسلحة الملكية خلال سبعة عقود من وجودها تجربة عسكرية وتنموية واسعة، وسط محيط جيوسياسي غير مستقر وتحديات أمنية متغيرة، في وقت يعكف فيه المغرب على تحديث ترسانته الدفاعية وتعزيز حضوره في عمليات حفظ السلام والأمن الإقليمي.
تأسست القوات المسلحة الملكية، سنة 1956 غداة الاستقلال، مستفيدا من انخراط آلاف الجنود المغاربة السابقين في الجيشين الفرنسي والإسباني، حيث جرى دمجهم ضمن النواة الأولى للقوات المسلحة الملكية التي تولى قيادتها الملك الراحل محمد الخامس، ثم قادها لسنوات الحسن الثاني قبل أن يعهد بها إلى القائد الأعلى الحالي الملك محمد السادس.
وطوال العقود التي تلت التأسيس، لعب الجيش المغربي أدوارا استراتيجية في تأمين الوحدة الترابية، وأبرزها خوضه حرب الصحراء ضد انفصاليي البوليساريو بدعم جزائري خلال السبعينات والثمانينات، وهي المواجهة التي شكلت مختبرا فعليا لتطوير قدرات الجيش المغربي في الحرب البرية، وتنظيم الدفاعات، وإرساء عقيدة قتالية تتناسب مع الواقع الجغرافي والسياسي للصحراء المغربية.
وفي هذا السياق، عرفت القوات المسلحة بإشرافها على بناء “الجدار الأمني الدفاعي”، الذي يمتد على أكثر من 2700 كيلومتر، وهو أحد أبرز الإنجازات العسكرية في إفريقيا، وساهم بشكل كبير في تقليص هجمات الانفصاليين وتحقيق توازن ميداني سمح بتثبيت الأمن في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وخلال التسعينات، اتجهت القيادة العسكرية إلى تقليص الإنفاق الميداني وترشيد التسلح، موازاة مع تحول الدور الخارجي للجيش المغربي نحو المشاركة الفعالة في مهام حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة، حيث شارك جنوده في مهام بليبيريا، الكونغو الديمقراطية، كوت ديفوار، جمهورية إفريقيا الوسطى، وهايتي، ناهيك عن المساعدات الإنسانية والطبية التي قدمها في مناطق الأزمات.
ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، دخلت القوات المسلحة الملكية مرحلة جديدة من التحديث الشامل، تمثلت في تعزيز القدرات الجوية والبحرية والبرية، من خلال اقتناء معدات عسكرية متطورة من الولايات المتحدة، الصين، فرنسا، وتركيا، من بينها طائرات إف-16، طائرات مسيرة من طراز بيرقدار، ودبابات متطورة من طراز أبرامز.
وبالإضافة إلى ذلك، طور الجيش المغربي شراكاته الاستراتيجية مع قوى إقليمية ودولية، حيث بات شريكا أساسيا في التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات، على رأسها تمرين الأسد الإفريقي، الذي تنظمه القيادة الأمريكية في إفريقيا سنويا بالمغرب، ويعد من بين أكبر المناورات العسكرية في القارة.
كما ساهمت التجربة المغربية في محاربة الإرهاب عبر منطقة الساحل والصحراء في تعزيز صورة الجيش المغربي كقوة موثوقة ومهنية، قادرة على التحرك بفعالية ضمن تحالفات إقليمية ودولية.
وتجلت ذلك أيضا في مشاركة القوات المسلحة الملكية في جهود مكافحة الهجرة غير النظامية، وعمليات البحث والإنقاذ، والدعم اللوجستي في أوقات الكوارث الطبيعية، كما حدث خلال زلزال الحوز في شتنبر 2023.
أما على المستوى الصناعي، فقد أحرز المغرب خطوات أولى نحو بناء صناعة عسكرية وطنية، من خلال شراكات مع فاعلين دوليين لإنتاج الذخائر، صيانة العتاد، وتجميع الطائرات بدون طيار، ما يعزز هدف المملكة في تحقيق نوع من السيادة التكنولوجية وتقليص التبعية الخارجية في المجال الدفاعي.
وإلى جانب أدواره القتالية، يحافظ الجيش المغربي على مكانته داخل النسيج الوطني كمؤسسة ذات رمزية موحدة، تسهر على تكوين آلاف الشباب في مراكز التدريب، وتضطلع بأدوار اجتماعية، تنموية، واستشفائية في المناطق النائية.
وبينما يستعد المغرب لإحياء الذكرى التاسعة والستين لتأسيس قواته المسلحة الملكية، يراهن المراقبون على مواصلة هذا النهج التطويري المتعدد الأبعاد، كأحد مفاتيح التوازن الأمني في شمال إفريقيا، وكعنصر فاعل في هندسة التحالفات العسكرية الجديدة التي ترسم ملامح النظام الإقليمي المتحول.

