بين خطابين ملكيّين يفصل بينهما أكثر من ثلاثين عامًا، يبرز مسار ثابت في التعاطي المغربي مع ملف الصحراء، قوامه التمسك بالوحدة الوطنية، والانفتاح على أبناء الوطن، وتوسيع دوائر الانتماء من خلال مقاربة سيادية مدعومة دوليًا.
فحين أطلق الملك الراحل الحسن الثاني عبارته الشهيرة “إن الوطن غفور رحيم” في مطلع التسعينات، كان المغرب يؤسس لمنطق الاستيعاب الوطني، في سياق إقليمي معقّد، ومسار أممي لم يكن قد استقر بعد على آلية واضحة للحل.
وحينها، فتحت الدولة الباب أمام العائدين من مخيمات تندوف، دون شروط، ضمن إرادة سيادية لتجاوز الانقسام، وبناء جبهة داخلية متماسكة.
واليوم، يستكمل الملك محمد السادس هذا النهج بصيغة أكثر إحكاما، تراكمت حولها الشرعية الدولية، وتبلورت داخل مشروع الحكم الذاتي.
ففي خطابه، دعا جلالته سكان المخيمات إلى العودة “للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية”، مؤكدا أن “جميع المغاربة سواسية، لا فرق بين العائدين من مخيمات تندوف وبين إخوانهم داخل أرض الوطن”.
المقاربة الجديدة لا تلغي المقاربة السابقة، بل تُطوّرها. فالعفو الرمزي تحوّل إلى إدماج قانوني، والانفتاح السياسي أصبح جزءا من مشروع مؤسساتي ناضج، يحظى بدعم متزايد من المجتمع الدولي. المغرب لم يتراجع عن منطق اليد الممدودة، بل صاغه من جديد ضمن هندسة سيادية مكتملة، تُدرج العائدين لا كاستثناء، بل كجزء أصيل من الجغرافيا الوطنية.
في التسعينات، كان منطق “الوطن الغفور” يُخاطب العائدين كأفراد. أما اليوم، فيُخاطَبون كمواطنين كامل الحقوق، لهم موقعهم في مشروع وطني يحظى بإجماع داخلي، وبدعم من قوى دولية مؤثرة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وروسيا وبريطانيا. هذا الانتقال لم يكن قطيعة، بل تطورا طبيعيًا في مسار بدأ بالمصالحة وانتهى إلى الشراكة.
ويتحدث المغرب اليوم من موقع الدولة التي فرضت سيادتها ميدانيًا، وأعادت تعريف الملف داخل أروقة الأمم المتحدة. المشروع الذي كان يُقدَّم في السابق كبادرة، أصبح اليوم المرجعية الوحيدة للحل، بحسب ما أقره قرار مجلس الأمن الأخير. وفي هذا السياق، لم تعد العودة فعل مبادرة، بل استحقاق سياسي ووطني.
التحوّل في الخطاب لا يمس جوهر الرسالة. فدعوة الحسن الثاني للصفح، ودعوة محمد السادس للمواطنة، ينطلقان من الأرضية نفسها: الصحراء جزء لا يتجزأ من الوطن، وأبناء الصحراء لهم مكانتهم، مهما تباعدت المسارات أو طالت الغيبة. الأول مهّد للانفتاح، والثاني أرسى شروط المشاركة الفعلية.
ويأتي هذا الخطاب في توقيت مفصلي، حيث تتزامن الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء مع ما تعتبره الرباط “لحظة حسم تاريخية”، بعد قرار مجلس الأمن، وتراكم غير مسبوق من المواقف الداعمة للحكم الذاتي.
والمملكة لم تعد تطرح مبادرتها كحل وسط، بل كخيار نهائي متكامل، ضمن سيادة وطنية يعترف بها المجتمع الدولي على نحو متزايد.
وبين عبارة “الوطن غفور رحيم” و”جميع المغاربة سواسية”، تتضح وحدة في الرؤية الملكية، واختلاف في الأدوات والسياقات. الأول تحدث بلغة الرمزية في زمن التحصين الداخلي، والثاني تحدث بلغة القانون والمؤسسات في زمن الحسم الدبلوماسي. كلاهما خاطب أبناء الوطن بنداء لا يُجبر، ولا يُقصي، بل يفتح المجال أمام كل من اختار العودة، لا على قاعدة الانكسار، بل من موقع الانتماء المشترك.

