عند تخوم مضيق جبل طارق، حيث تتحرك سلاسل الإمداد بوتيرة عابرة للقارات عبر أرصفة طنجة المتوسط، يقف قطاع النسيج في شمال المغرب أمام اختبار حاسم: كيف يحافظ على موقعه داخل السوق الأوروبية في ظل معايير بيئية وتنظيمية أكثر صرامة، بينما تظهر أحدث الأرقام تباطؤا في الأداء التصديري؟
ويأتي هذا التحدي في سياق دولي يتسم بتقلب الطلب في أسواق الاتحاد الاوروبي واشتداد المنافسة من منتجين في اسيا واوروبا الشرقية، ما يضع النموذج الصناعي القائم على المناولة امام ضغط مزدوج يجمع بين انكماش الطلبيات وارتفاع كلفة الامتثال للمعايير الجديدة.
وبحسب معطيات مكتب الصرف، بلغت صادرات “النسيج والجلد” 43,8 مليار درهم عند متم سنة 2025، مسجلة تراجعا بنسبة 4,5 في المائة مقارنة مع 2024.
ويعزى الانخفاض اساسا الى تراجع صادرات الملابس الجاهزة ومنتجات التريكو، في سياق تباطؤ الطلبيات الاوروبية وتشدد شروط التعاقد.
ويشكل النسيج احد اعمدة الصناعة التحويلية في المملكة. فوفق وزارة الصناعة والتجارة، يمثل القطاع نحو 27 في المائة من مناصب الشغل الصناعية الوطنية، فيما تتجه قرابة 60 في المائة من صادراته الى سوقين رئيسيين هما اسبانيا وفرنسا.
ويجعل هذا التركّز الجغرافي، الذي شكل لسنوات ميزة قائمة على القرب من اوروبا وتنافسية الكلفة، القطاع شديد الحساسية لاي تغير تنظيمي او ظرفي في الضفة الشمالية للمتوسط.
ويظل البعد الاجتماعي في قلب المعادلة. فـ”بارومتر الصناعة” الرسمي يشير الى ان النساء يشغلن اكثر من نصف وظائف قطاع النسيج والالبسة.
وفي بلد لا يتجاوز فيه معدل النشاط النسائي 19 في المائة، بحسب المندوبية السامية للتخطيط، تمثل مصانع النسيج في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة رافعة اساسية لولوج النساء الى سوق الشغل النظامي، ومصدرا مستقرا للدخل لالاف الاسر.
غير ان نموذج “المناولة” (CMT)، الذي قام على تنفيذ الطلبيات لحساب علامات اوروبية بهوامش ربح محدودة، يواجه اليوم حدوده البنيوية. فالمقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل عماد النسيج في الشمال، تجد صعوبة في تمويل استثمارات ثقيلة في الرقمنة والنجاعة الطاقية وانظمة التتبع، في وقت تتجه فيه المفوضية الاوروبية الى تفعيل “استراتيجية المنسوجات المستدامة” ضمن اطار اوسع للمنتجات المستدامة.
ويتضمن هذا الاطار ما يعرف بـ”جواز المنتج الرقمي”، الذي يفرض قابلية تتبع دقيقة لمصدر المواد الاولية ودورة حياة المنتج، فضلا عن متطلبات العناية الواجبة عبر سلاسل التوريد. ورغم مراجعات اوروبية حديثة لبعض العتبات الزمنية، فان الامتثال البيئي والتتبع الرقمي مرشحان للانتقال تعاقديا الى الموردين المغاربة عبر العلامات الاوروبية الكبرى.
بالنسبة لمصنع مناولة متوسط في طنجة او تطوان، لا يتعلق الامر بتحديث شكلي في اجراءات الجودة، بل باعادة هيكلة شاملة: اعتماد مواد اقل انبعاثا للكربون، تقليص استهلاك الماء والطاقة، الاستثمار في انظمة معلومات قادرة على تزويد الزبون الاوروبي ببيانات فورية حول البصمة البيئية للمنتج. وهي تحولات تتطلب رسملة وتمويلا يفوقان قدرات جزء من النسيج المقاولاتي التقليدي.
في المقابل، يرى فاعلون صناعيون ان الظرفية قد تشكل فرصة لاعادة التموضع نحو نموذج “الحزمة الكاملة” (Full Package) او الانتاج المتكامل، الذي يمنح المصنعين تحكما اكبر في التصميم وشراء المواد الاولية والخدمات اللوجستية، ويرفع هامش الربح بما يبرر الاستثمار في التكنولوجيا والاستدامة.
وتعول الصناعة في الشمال على البنية اللوجستية المحيطة بها لتسهيل هذا الانتقال. فقد سجل مركب طنجة المتوسط عبور اكثر من 11,1 مليون حاوية نمطية سنة 2025، بزيادة 8,4 في المائة عن العام السابق، فيما تضم مناطقه الصناعية نحو 1300 شركة توفر قرابة 115 الف فرصة عمل. وتتيح هذه المنصة، المرتبطة مباشرة باهم الخطوط البحرية العالمية، قدرة تنافسية في استيراد مواد تقنية متطورة وتصدير منتجات تامة الصنع في اجال قصيرة.
غير ان الانتقال من منطق الكلفة الى منطق القيمة يتطلب اكثر من ميزة لوجستية. فهو يستدعي استثمارات في التكوين المهني، تحديث المعدات، تحسين حكامة الموارد المائية والطاقية، وتسهيل الولوج الى التمويل الاخضر.
كما يقتضي تنسيقا اوثق بين الدولة والهيئات المهنية لتوجيه الاستثمارات نحو “النسيج التقني” والمنسوجات المستدامة، التي تعرف طلبا متزايدا في قطاعات السيارات والملابس الرياضية والصناعات المتخصصة.
وفي ظل تراجع صادرات 2025، يبدو الرهان مزدوجا: الحفاظ على التنافسية في مواجهة منافسين اسيويين واوروبيين شرقيين، وفي الوقت نفسه صون نسيج اجتماعي يعتمد جزء معتبر من استقراره على تشغيل النساء في المصانع.
وبين ضغط المعايير الاوروبية ومتطلبات اعادة الهيكلة، يجد قطاع النسيج في شمال المغرب نفسه امام ضرورة تسريع التحول، ليس فقط لتعزيز علامة “صنع في المغرب”، بل لضمان استدامة اقتصادية واجتماعية في بيئة دولية متقلبة.

