اكدت تقارير دولية حديثة ان المغرب بات من بين الدول القليلة التي تقترب من نمط اداء منسجم مع اهداف اتفاق باريس، بعد تسجيله تقدما ملحوظا في المؤشرات العالمية الخاصة بالمناخ خلال العام الحالي، في تصنيف يعكس النتائج المتراكمة للسياسات الطاقية التي اعتمدتها الرباط منذ اكثر من عقد، والتي تحولت اليوم الى ركيزة اساسية في تقييم الهيئات الدولية.
وابرزت هذه التقارير التي نشرتها منصات متخصصة، ان المغرب يحافظ على وتيرة تقدم ثابتة في الفئات التقنية التي يعتمدها خبراء المناخ، خصوصا ما يتعلق بخفض الانبعاثات وتطوير الطاقات المتجددة واستقرار السياسات الحكومية.
وفي هذا الاطار وضع مؤشر الاداء المناخي CCPI المغرب ضمن العشر الاوائل عالميا في نسخة 2026، مع تسجيله تصنيفا مرتفعا في ثلاث فئات رئيسية من اصل اربع، حيث يعتبر خبراء المنصة ان اداء المملكة مدعوم بخيارات سياسية واضحة، ابرزها دعم مشاريع الطاقة الريحية والتوسع في المحطات الشمسية وتطوير البنيات التحتية للنقل الكهربائي، وهو ما مكن المغرب من تصدر منطقة افريقيا والعالم العربي بفارق كبير مقارنة ببقية الدول المدرجة.
وتشير البيانات التي تنشرها منصة بلومبرغ كلايمت سكوب الى ان المغرب يعد من اكثر الاسواق الناشئة قدرة على استقطاب الاستثمارات النظيفة، استنادا الى حجم المشاريع المنجزة في الطاقة الشمسية والريحية والى الاستراتيجية الحكومية المتعلقة بالهيدروجين الاخضر، مبرزة ان المملكة تجاوزت دولا صناعية من حيث جاذبية الاستثمار في الطاقات المتجددة نتيجة وضوح التشريعات واستقرار البيئة التنظيمية.
وتؤكد الوثائق الرسمية المتاحة في سجل المساهمات المحددة وطنيا التابع لاتفاقية الامم المتحدة الاطارية ان المغرب رفع سقف التزاماته المناخية، مع تعهد بخفض الانبعاثات بنسبة تفوق 45 بالمئة في افق 2030، وهي التزامات تعتمد على مشروع هيكلي يروم بلوغ 52 بالمئة من القدرة الكهربائية المنشأة من مصادر متجددة في الاجال نفسها، اضافة الى مخططات موازية في مجالات الماء والفلاحة والتكيف المناخي.
ويرى خبراء المناخ الذين يعتمدهم المؤشر الدولي ان المملكة تحتاج رغم هذا التقدم الى تسريع وتيرة انجاز المشاريع، خصوصا ما يتعلق بزيادة القدرة المركبة للطاقة الريحية وتحديث شبكات نقل الكهرباء، داعين في الوقت نفسه الى تحسين مردودية القطاع الفلاحي عبر اعتماد ممارسات اكثر استدامة بالنظر الى التاثير العميق للتغيرات المناخية على الموارد المائية والزراعة في المنطقة.
ويأتي هذا الاعتراف الدولي في سياق توسع المشاريع التي تطورها الرباط في مجال الهيدروجين الاخضر، حيث تراهن المملكة على موقعها الجغرافي وقدراتها المتجددة من اجل التموقع كفاعل رئيسي في اسواق الطاقة النظيفة على المدى المتوسط، اذ تشير البيانات الصادرة عن المنصات الدولية الى ان المغرب يتقدم في هذا المسار مقارنة بعدد من الاقتصادات الصاعدة، مستفيدا من تعاون مؤسساتي مع شركاء اوروبيين واسيويين.
وخلال السنوات الاخيرة استثمر المغرب ما يناهز 60 مليار درهم في مشاريع الطاقات المتجددة منذ اطلاق استراتيجيته الطاقية سنة 2009، وهي اعتمادات مالية ضخمة وجهت اساسا لتشييد مجمعات الطاقة الشمسية والريحية وتطوير البنيات التحتية اللازمة لدمج المصادر النظيفة في الشبكة الكهربائية الوطنية.
وفي البعد الجيوسياسي، يعد هذا الاداء المناخي المتقدم عنصرا مركزيا في تموقع المغرب داخل التحولات الطاقية العالمية، خصوصا في اللحظة التي تبحث فيها اوروبا عن شركاء موثوقين لتأمين الامدادات الخضراء بعد اضطرابات اسواق الغاز. ويتيح هذا المسار للمملكة تعزيز مكانتها كطرف محوري في التزود بالطاقات المتجددة والهيدروجين الاخضر، في وقت تتجه فيه السياسات الاوروبية الى تعظيم واردات الطاقة منخفضة الكربون من دول الجوار.
كما يمنح هذا التقدم المغرب وزنا تفاوضيا اعلى داخل آليات المناخ الدولية، بالنظر الى التزاماته المرتفعة مقارنة بعدد كبير من الدول الصاعدة، والى قدرته على تقديم مشاريع طاقية قابلة للتمويل والشراكة. وتعكس هذه الدينامية تصورا استراتيجيا يربط بين الانتقال الطاقي والتموقع الجيوسياسي، في منطقة تشهد تنافسا متزايدا حول امن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد.
وتشير تقارير CCPI وBloombergNEF الى ان اداء المغرب المناخي بات يشكل ورقة قوة في علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية، خصوصا مع الاتحاد الاوروبي الذي يتجه نحو تطبيق آليات جديدة للحياد الكربوني في الاستيراد. ويسمح ذلك للمملكة بالحفاظ على تنافسية صادراتها، والولوج الى اسواق جديدة تعتمد معايير بيئية اكثر صرامة.


