أعاد فريق دولي من الباحثين بناء شبكة غذائية لنظام بحري عاش في المغرب قبل نحو 477 مليون سنة، مستندا إلى حفريات صخور فزواطة الشهيرة، في دراسة تكشف أن كثيرا من القواعد التي تحكم الأنظمة البيئية البحرية الحديثة كانت موجودة بالفعل في حقبة سحيقة من تاريخ الأرض.
وظهرت الدراسة في العدد الصادر في 21 غشت 2026 من مجلة iScience التابعة لمجموعة Cell Press، بعدما كانت نسختها الإلكترونية متاحة منذ يوليوز، وحملت عنوان “نموذج لشبكة غذائية بيئية قديمة لحيوانات الطفل الصفحي السفلي لفزواطة بالمغرب”.
وجمع الباحثون قائمة تضم 457 نوعا من الكائنات الأحفورية المعروفة من طبقات فزواطة السفلى والعليا، ثم اختاروا 202 وحدة تصنيفية من الطبقات السفلى أمكن تحديد طريقة تغذيتها بدرجة كافية لبناء الشبكة البيئية.
وكانت النتيجة شبكة ضخمة تضم 3,930 علاقة غذائية محتملة، تربط الكائنات التي كانت تفترس أو تستهلك كائنات أخرى بالموارد التي اعتمدت عليها قبل نحو 477 مليون سنة.
ولتبسيط النموذج، جمع الفريق الأنواع التي كانت تشترك في الفرائس والمفترسات ضمن مجموعات غذائية، فحصل على شبكة ثانية تضم 106 مجموعات و1,405 علاقات غذائية.
وتقع رواسب فزواطة في منطقة زاكورة جنوب شرق المغرب، ويرجع عمر طبقاتها السفلى إلى الفترة الممتدة تقريبا بين 485 و478 مليون سنة، خلال العصر الأوردوفيشي المبكر. وتشتهر المنطقة عالميا بجودة حفظ حفرياتها، بما في ذلك كائنات رخوة لا تحتفظ بها المواقع الأحفورية العادية بسهولة.
ولم يكتف الباحثون بإحصاء الكائنات التي عاشت في ذلك البحر القديم، بل حاولوا الإجابة عن سؤال أصعب، من كان يأكل من؟
واعتمد الفريق على معلومات منشورة عن كل نوع، وشكل أعضاء التغذية، وحجم الكائنات وموطنها، إلى جانب المقارنة بأقارب حديثين عندما كان ذلك ممكنا. ولم يعثر الباحثون على محتويات أمعاء محفوظة في حفريات فزواطة يمكن الاعتماد عليها مباشرة، لذلك أخضعوا العلاقات الغذائية المفترضة لتحليل لدرجة عدم اليقين.
وأظهرت الشبكة القديمة نسبة مرتفعة من الكائنات العاشبة والمفترسات العليا والأنواع الموجودة في قاعدة السلسلة الغذائية مقارنة بأربع شبكات بحرية حديثة اختارها الباحثون للمقارنة.
وبلغت نسبة المجموعات الموجودة في قمة الشبكة الغذائية 14.2 في المائة، والعاشبة 35.8 في المائة، فيما مثلت المجموعات القاعدية 9.4 في المائة.
وتكشف الصورة التي أعاد الباحثون تركيبها عن بحر يجمع بين مفترسات ارتبط بعضها بالعصر الكامبري وكائنات انتشرت خلال موجة التنوع الحيوي الكبرى التي ميزت العصر الأوردوفيشي، خصوصا الكائنات التي تتغذى عبر ترشيح المواد العالقة في الماء.
وقارن الفريق شبكة فزواطة بأربع شبكات غذائية بحرية معاصرة، كما اختبرها عبر نموذج رياضي يستعمل لدراسة طريقة تنظيم العلاقات الغذائية في الأنظمة الحديثة.
وكانت النتيجة الأبرز أن البنية العامة لشبكة فزواطة لم تختلف بصورة جوهرية عما توقعه النموذج، ما دفع الباحثين إلى الاستنتاج بأن كثيرا من المكونات الأساسية التي تميز الشبكات الغذائية الحديثة كانت قد ظهرت بالفعل في الأوردوفيشي المبكر.
ولا يعني ذلك أن بحر المغرب قبل 477 مليون سنة كان يشبه بحاره الحالية من حيث الأنواع. فمعظم الكائنات تغيرت أو انقرضت، لكن الطريقة التي توزعت بها أدوار المنتج والمستهلك والعاشب والمفترس داخل النظام البيئي تظهر، وفق الدراسة، جذورا أقدم بكثير مما قد يوحي به الاختلاف الكبير في أشكال الحياة.
وتكتسب فزواطة أهمية خاصة لدى علماء الأحافير لأنها توثق فترة انتقالية بين الحياة التي ميزت العصر الكامبري وما يعرف بـ”حدث التنوع الحيوي الأوردوفيشي العظيم”، حين شهدت الحياة البحرية توسعا كبيرا في تنوع الأنواع والأدوار البيئية.
وقادت الدراسة الباحثة كورين سوسي، بمشاركة فرانسيس بانفيل وإميلي بيزلي وباحثين آخرين، بينهم متخصصون في حفريات فزواطة والشبكات البيئية. كما أتاح الفريق بيانات العلاقات الغذائية والبرمجيات التي اعتمد عليها لإعادة تحليل النتائج.
وتضيف الدراسة بذلك بعدا جديدا إلى القيمة العلمية لفزواطة، فمنطقة زاكورة لم تعد تقدم للباحثين قائمة بالحيوانات التي عاشت في المغرب قبل مئات ملايين السنين فقط، بل بيانات تساعد على إعادة تركيب طريقة تفاعلها داخل أحد أقدم الأنظمة البحرية المعقدة المعروفة.

