يخفي الاقتصاد المغربي خلف أرقامه الرسمية ومؤشراته الكلاسيكية “قطاعا” إنتاجيا ضخما غير محتسب، يتمثل في العمل المنزلي الذي تضطلع به النساء، والذي تقدر قيمته المالية بما يناهز نصف الناتج الداخلي الخام للمملكة.
وبات هذا “العملاق الاقتصادي النائم” اليوم في قلب نقاش عمومي وسياسي، يسعى لنقل ملف عمل النساء داخل البيوت من خانة “الواجب الاجتماعي” التقليدي، إلى خانة “القيمة الاقتصادية المضافة” التي تتطلب التثمين والادماج في دورة الثروة الوطنية.
وتضع المعطيات الإحصائية، التي عادت إلى واجهة الأحداث بدفع من وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، صناع القرار أمام واقع رقمي يصعب تجاهله؛ إذ تشير التقديرات المستندة إلى بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن القيمة النقدية للعمل المنزلي تتراوح ما بين 285 و513 مليار درهم سنويا.
ويتم استخلاص هذه الأرقام الضخمة عبر عمليات حسابية دقيقة ترتكز إما على الحد الأدنى للأجور أو متوسط الأجر الوطني، مما يعني أن هذا الجهد النسائي يمثل نسبة تتراوح بين 34.5% وقرابة 50% من إجمالي الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تتفوق على مساهمة قطاعات حيوية مهيكلة كالفلاحة أو السياحة.
اختلال هيكلي في “ميزان الوقت”
وتكشف لغة الأرقام عن شرخ عميق في بنية توزيع المهام داخل المجتمع المغربي، حيث تتحمل النساء العبء شبه الكامل لهذا “الاقتصاد الخفي”.
وتفيد المعطيات الواردة في تقرير “المرأة المغربية في أرقام 2025” (المستند لبيانات 2012)، بأن النساء ينجزن 92% من مجموع العمل المنزلي غير المؤدى عنه، وهو ما يعكس رسوخ عقليات تقليدية تحدد الأدوار بناء على النوع الاجتماعي، بمعزل عن التطورات التي شهدها المجتمع المغربي.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، تخصص المرأة المغربية ما معدله 4 ساعات و46 دقيقة يوميا للأعمال المنزلية ورعاية الأطفال والمسنين، في وقت لا تتجاوز فيه مساهمة الرجال في هذه المهام 27 دقيقة فقط كمعدل يومي.
ويرى خبراء الاقتصاد والاجتماع أن هذا التفاوت الزمني الهائل يخلق ما يصطلح عليه بـ”الفقر الزمني” لدى النساء، حيث يتم استنزاف طاقتهن الإنتاجية في مهام لا تدر دخلا مباشرا، مما يقلص حظوظهن في الولوج إلى سوق الشغل الرسمي، أو يضعهن تحت ضغط “الدوام المزدوج” المرهق في حال كن عاملات، مما يؤثر سلبا على مردوديتهن وفرص ترقيهن المهني.
من التضحية الصامتة إلى الاستحقاق الاقتصادي
وأمام هذا الواقع، تحاول الحكومة المغربية، ممثلة في الوزيرة نعيمة بن يحيى، تغيير زاوية المعالجة جذريا.
فخلال يوم دراسي احتضنه مجلس النواب يوم 26 نونبر المنصرم، بشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان وبدعم من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي، دعت المسؤولة الحكومية إلى القطع مع المقاربة العاطفية التي تمجد تضحيات النساء دون مكافأتها، لصالح مقاربة اقتصادية تعترف بهذا الجهد كرافعة للتنمية.
ويقوم هذا الطرح الاستراتيجي على اعتبار أن العمل المنزلي ينتج خدمات حقيقية (طبخ، تنظيف، تربية، رعاية صحية أولية) لو تم شراؤها من السوق لكلفت ميزانيات ضخمة، وبالتالي فإن توفيرها مجانا من طرف النساء يعد دعما مباشرا لاستقرار الأسر وللاقتصاد الكلي.
وتشدد الوزيرة على أن استمرار تغييب هذه القيمة عن الحسابات الوطنية يؤدي إلى تشوهات في رسم السياسات العمومية، حيث تبدو مؤشرات الرفاه والإنتاج أقل من واقعها الحقيقي، وتضيع حقوق النساء في برامج الحماية الاجتماعية التي تشترط غالبا عملا مأجورا مهيكلا.
ويبقى الرهان المستقبلي مرتبطا بمدى قدرة الجهاز التنفيذي والتشريعي على ترجمة هذه الأرقام الصادمة إلى نصوص قانونية وبرامج عملية، سواء عبر احتساب العمل المنزلي في أنظمة التقاعد، أو اعتماده كمعيار في توزيع الممتلكات المكتسبة، أو من خلال الاستثمار العمومي في اقتصاد الرعاية (دور حضانة، مراكز رعاية المسنين) لتخفيف العبء عن النساء وتحرير طاقاتهن للمساهمة في الدورة الاقتصادية الرسمية.

