في 14 غشت 1979، كان شيوخ وأعيان وعلماء قبائل وادي الذهب في القصر الملكي بالرباط يقدمون البيعة للملك الراحل الحسن الثاني، بعد عقود عاش خلالها الإقليم تحت الاستعمار الإسباني وفي ظرف لم يؤد فيه رحيل القوى الاستعمارية عن الصحراء إلى إنهاء التجاذبات بشأن مستقبلها.
جاء الوفد من منطقة بعيدة بمئات الكيلومترات عن العاصمة، تحمل آثار مرحلة استعمارية طويلة في عمرانها المحدود وتجهيزاتها القليلة وصلاتها الضعيفة ببقية البلاد.
وكان تقديم البيعة حدثا سياسيا له جذوره في تقاليد الدولة المغربية، إذ ظلت هذه المؤسسة عبر قرون تنظم علاقة العرش بالقبائل والمجالات المختلفة، ولذلك قرأت الرباط حضور ممثلي وادي الذهب باعتباره استعادة علنية لرابطة قطعتها السيطرة الأجنبية ولم تمحها.
وتؤكد الوثائق المغربية المتعلقة بالذكرى أن الوفد ضم علماء وأعيانا وشيوخ قبائل الإقليم الذين قدموا البيعة للحسن الثاني في الرباط يوم 14 غشت 1979.
كان المغرب يومها يخرج من مرحلة استرجاع أراضيه الجنوبية إلى تحد أصعب يتعلق بتثبيت المؤسسات وإدماج مجالات ظلت لعقود خارج البنية الوطنية.
أما سكان وادي الذهب، فكانوا ينتقلون من إدارة استعمارية أقامت بينهم وبين الشمال حدودا سياسية وإدارية إلى دولة ستجد نفسها مطالبة بتقليص مسافات لا تقاس بالكيلومترات وحدها.
ورد الحسن الثاني على البيعة بالتزام الدولة بالدفاع عن الإقليم والعمل من أجل سكانه، قبل أن يزور الداخلة بعد أشهر.
وفي المناسبة نفسها وزع السلاح على ممثلي القبائل، وهي صورة ظلت حاضرة في الذاكرة الرسمية للحدث لما حملته في مناخ نهاية السبعينيات من إشارة إلى مشاركة أبناء المنطقة في الدفاع عنها.
وبعد 47 عاما، يصعب التعرف إلى كثير من ملامح الداخلة التي كانت قائمة آنذاك. فالمدينة التي ورثت عن المرحلة الإسبانية اقتصادا ضيقا ومرافق محدودة اتسعت وتنوع نشاطها، بينما أصبح موقعها على المحيط الأطلسي، الذي كرس عزلتها زمنا طويلا، أحد أهم عناصر المشاريع التي تراهن عليها الدولة في الجنوب.
البيعة والامتداد التاريخي
لا تكتسب بيعة وادي الذهب أهميتها من مراسم 14 غشت وحدها. فالمغرب وضعها ضمن سرد تاريخي أوسع يستند إلى علاقات البيعة التي ربطت قبائل الصحراء بسلاطينه قبل الاستعمار، وهو الملف الذي ظل حاضرا منذ بداية النزاع حول المنطقة وفي النقاش القانوني والسياسي المتصل بها.
ومن هذه الزاوية، لم تقدم الرباط سنة 1979 ما جرى باعتباره إنشاء علاقة جديدة بين الدولة والإقليم، وإنما عودة علاقة قديمة إلى صورتها العلنية بعد انتهاء السيطرة الأجنبية.
وكانت هوية الوفد أساسية في هذا البناء، لأن الذين قدموا البيعة لم يكونوا مسؤولين إداريين وصلوا من الشمال، وإنما ممثلين لقبائل وادي الذهب نفسها.
لكن الميراث الذي تركته إسبانيا لم يكن سياسيا فقط. فقد كانت المنطقة قليلة السكان، ضعيفة التجهيز، وتفصلها مسافات طويلة عن المراكز الحضرية والاقتصادية الكبرى للمملكة.
وفرضت الجغرافيا كلفة مرتفعة على الطرق والخدمات وشبكات الاتصال، فيما ظل النشاط الاقتصادي مرتبطا بدرجة كبيرة بالبحر والموارد المحلية.
وتغير هذا الواقع على مراحل. توسعت الداخلة عمرانيا، وتحسن اتصالها ببقية البلاد، ونمت قطاعات الصيد البحري والسياحة والخدمات، ثم انتقلت الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية إلى مشاريع أكبر تتعامل مع المنطقة باعتبارها مجالا للإنتاج والتصدير والربط مع أفريقيا، لا مجرد منطقة تحتاج إلى سد خصاص في التجهيز.
وتكشف مقارنة بسيطة بين الداخلة في نهاية السبعينيات والمدينة الحالية مقدار هذا التحول. لم تعد حركة المدينة تتوقف عند مرافقها الإدارية أو نشاط الصيد، ولم تعد المسافة عن الدار البيضاء والرباط وحدها تحدد قيمتها الاقتصادية. فالساحل الذي يمتد أمامها أصبح جزءا من سياسة مغربية أوسع تبحث عن موطئ اقتصادي في الأطلسي وعن روابط مباشرة مع غرب أفريقيا.
الداخلة بوابة على الأطلسي
يتجسد الرهان الجديد في ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يشكل أكبر مشاريع البنية التحتية المرتبطة بإعادة تحديد الوظيفة الاقتصادية للمنطقة.
فالمشروع يخدم التجارة والصيد والصناعة والأنشطة اللوجستية، لكنه يأتي كذلك في وقت توسع فيه الرباط خطابها الاقتصادي تجاه أفريقيا من الربط البري التقليدي إلى بناء ممرات تصل دول الساحل بالمحيط.
ويدخل الميناء في تصور يجعل الأقاليم الجنوبية نقطة اتصال بين الاقتصاد المغربي والأسواق الواقعة جنوب الصحراء، خصوصا مع المبادرة الأطلسية التي طرحها المغرب لفائدة دول الساحل غير المطلة على البحر.
وفي هذه المعادلة، تأخذ الداخلة قيمة مختلفة، فهي أقرب جغرافيا إلى عدد من أسواق غرب أفريقيا من المراكز الصناعية المغربية في الشمال، وتطل مباشرة على الممرات البحرية للأطلسي.
وترافق هذا التحول الاقتصادي مع تغير في إدارة ملف الصحراء دبلوماسيا. فمنذ طرح مبادرة الحكم الذاتي، ركز المغرب جهده على جعلها قاعدة للتسوية السياسية، فيما تراكمت مواقف دولية مؤيدة لها بدرجات مختلفة، ووصل المسار في أكتوبر 2025 إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي مدد ولاية بعثة “مينورسو” حتى 31 أكتوبر 2026 وأبقى الدفع نحو حل سياسي للنزاع ضمن إطار أممي متجدد.
وفي الرباط، قرأت الدولة القرار باعتباره تقدما لمقترح الحكم الذاتي في مسار التسوية. وبعد خطاب الملك محمد السادس في 31 أكتوبر 2025، بدأت مشاورات لتحديث المبادرة وتفصيلها، وقال بلاغ للديوان الملكي إن هذه الخطوة جاءت في سياق القرار 2797 وإن الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية أصبح أساسا للمفاوضات وفق القراءة المغربية للقرار.
أما في الداخلة، فتظهر هذه السياسة من خلال الإسمنت والطرق والمشاريع أكثر مما تظهر من خلال البيانات الدبلوماسية. فالمغرب يربط حجته السياسية بشأن الإقليم بعملية إدماج اقتصادي متواصلة، بينما تمنح المشاريع الكبرى للمدينة علاقات جديدة مع المستثمرين والأسواق ومسارات التجارة خارج الحدود الوطنية.
وهذا ما يفسر انتقال الحديث الرسمي عن الأقاليم الجنوبية من مفردات فك العزلة والتجهيز التي طبعت العقود الأولى إلى مفردات الأطلسي والاستثمار والربط الأفريقي. فالهدف لم يعد أن تصل الداخلة إلى بقية الاقتصاد المغربي فقط، وإنما أن تمر عبرها حركة اقتصادية تتجه من المغرب إلى أفريقيا وبالعكس.
ذاكرة المقاومة بين الأجيال
وسط هذا التوسع العمراني والاقتصادي، تعود المدينة في 14 غشت 2026 إلى المرحلة التي سبقت كل هذه المشاريع. فقد أعدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برنامجا لتخليد الذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع وادي الذهب بمقر الغرفة الفلاحية في الداخلة، يتضمن شهادات حول مراحل المقاومة والتحرير وتكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
وتزداد أهمية هذه الشهادات مع ابتعاد زمن الاستعمار ونهاية جيل عاش المرحلة بنفسه. فكثير من سكان الداخلة اليوم ولدوا بعد سنة 1979، وبعضهم نشأ في مدينة تختلف في حجمها واقتصادها وإيقاع الحياة فيها عن المكان الذي عرفه الجيل الذي عاصر الإدارة الإسبانية والسنوات الأولى للاسترجاع.
وتضع المندوبية خلال المناسبة أيضا الحجر الأساس لـ”فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير” في الداخلة، ضمن شبكة وطنية تضم حاليا 109 فضاءات مخصصة للوثائق والصور والشهادات والأنشطة المرتبطة بتاريخ المقاومة.
وسيضيف الفضاء الجديد إلى المدينة مؤسسة تعنى بالماضي في وقت تنشغل فيه معظم مشاريعها الكبرى بالمستقبل.
وبين الأمرين صلة مباشرة، إذ يصعب قراءة ما أصبحت عليه الداخلة من دون العودة إلى الظروف التي دخلت فيها وادي الذهب إلى الإدارة المغربية، مثلما يصعب فهم الأهمية التي تمنحها الرباط اليوم للميناء والواجهة الأطلسية من دون تاريخ النزاع الذي رافق المنطقة طوال العقود الماضية.
وفي الذكرى السابعة والأربعين، تبدو المقارنة بين مدينتين تحملان الاسم نفسه أكثر دلالة من كثير من الخطب.
الأولى كانت عاصمة إقليم خرج من الاستعمار بتجهيزات محدودة ومسافات طويلة تفصله عن المراكز الاقتصادية المغربية. والثانية تتشكل حول ميناء كبير ومشاريع سياحية وتجارية ولوجستية، فيما تحاول أن تجعل من المسافة نفسها التي كرست عزلتها سابقا موقعا يصل المغرب بامتداده الأفريقي.

