أعلنت الولايات المتحدة السبت أنها شنت ضربات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت نووية في إيران، وفق ما أفادت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في تصعيد غير مسبوق يثير مخاوف جدية من اندلاع صراع إقليمي واسع.
وقال بيان صادر عن البنتاغون إن القوات الأميركية نفذت “ضربات دقيقة” طالت مراكز للقيادة والسيطرة تابعة للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى منشآت يعتقد أنها تستخدم لتخصيب اليورانيوم في محافظتي أصفهان ونطنز.
وأوضح مسؤول عسكري أميركي، فضل عدم الكشف عن هويته، أن العملية العسكرية شاركت فيها قاذفات استراتيجية انطلقت من قواعد متفرقة، مدعومة بصواريخ كروز أطلقت من غواصات متمركزة في بحر العرب والمحيط الهندي.
في طهران، أعلنت السلطات الإيرانية تصدي دفاعاتها الجوية “لهجوم معاد” استهدف العاصمة وعدة مدن أخرى، متوعدة برد حازم.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عن بيان للجيش الإيراني قوله إن الأضرار “اقتصرت على بعض الرادارات والمواقع العسكرية المحدودة”، دون تقديم حصيلة لعدد الضحايا أو الخسائر المادية حتى الآن.
وتوعدت القيادة الإيرانية برد “قاس ومناسب” على الضربات الأميركية. وقال مسؤول إيراني رفيع للتلفزيون الحكومي إن القواعد الأميركية المتواجدة في الشرق الأوسط ومصالح حلفاء واشنطن تعتبر “أهدافا مشروعة” للرد الإيراني.
ودفعت هذه التطورات الميدانية المتسارعة مجلس الأمن الدولي إلى الإعلان عن عقد جلسة طارئة مغلقة السبت بطلب من روسيا والصين، لبحث تداعيات الهجوم وتأثيره المباشر على السلم والأمن الدوليين.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش جميع الأطراف إلى “أقصى درجات ضبط النفس”، محذراً في بيان مقتضب من خطر توسع النزاع في منطقة الشرق الأوسط وخروجه عن السيطرة.
دبلوماسيا، سارعت دول أوروبية، من بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى دعوة مواطنيها لمغادرة الأراضي الإيرانية فورا، كما أعلنت عن إجلاء موظفيها غير الأساسيين من بعثاتها الدبلوماسية.
اقتصادياً، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من خمسة بالمئة في التداولات الآسيوية المبكرة فور الإعلان عن الضربات الأميركية. وتجاوز سعر برميل خام برنت بحر الشمال المرجعي عتبة التسعين دولاراً، وسط مخاوف المستثمرين من تأثر إمدادات الطاقة العالمية واحتمال إغلاق السلطات الإيرانية لمضيق هرمز الاستراتيجي.
كما علقت عدة شركات طيران دولية كبرى رحلاتها الجوية إلى كل من طهران والمدن المجاورة حتى إشعار آخر، مع تحويل مسار الرحلات لتجنب المجال الجوي الإيراني بالكامل.
وتشكل هذه الضربات الأميركية ذروة تصعيد مستمر منذ سنوات بين واشنطن وطهران، ارتبط بشكل وثيق بانهيار خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) الموقعة عام 2015 بين إيران ومجموعة “5+1″، والتي كانت تهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية.
وكانت الولايات المتحدة قد انسحبت أحادياً من هذا الاتفاق في عام 2018، معتمدة مقاربة “الضغوط القصوى” عبر إعادة فرض عقوبات اقتصادية ومالية صارمة على طهران، وهو ما دفع الجمهورية الإسلامية إلى التخلي التدريجي عن التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق.
وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن طهران رفعت بشكل مطرد وتيرة تخصيب اليورانيوم في منشآتها الحيوية، لاسيما في مجمعي نطنز وفوردو، لتصل إلى نسبة 60 بالمئة، وهي مستويات قريبة من عتبة الـ 90 بالمئة ذات الاستخدام العسكري، مما أثار حفيظة المنتظم الدولي وعقّد جهود التسوية الدبلوماسية.
وبالموازاة مع الملف النووي، يشكل النفوذ الإقليمي لطهران نقطة خلاف جوهرية؛ إذ تتهم واشنطن وحلفاؤها الغربيون إيران بتقويض الاستقرار الإقليمي عبر دعم وتمويل شبكة من الفصائل المسلحة في المنطقة، فضلاً عن توظيف أمن الملاحة البحرية كورقة ضغط.
ولطالما شكل مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إنتاج النفط العالمي، بؤرة توتر رئيسية، حيث تكررت حوادث احتجاز السفن التجارية وناقلات النفط، وسط تلميحات إيرانية مستمرة بقدرتها على إغلاق هذا المعبر البحري الحيوي في حال تعرض أمنها القومي للخطر.
وسبقت هذا التصعيد العسكري المباشر “حرب ظل” امتدت لسنوات، تخللتها هجمات سيبرانية معقدة وعمليات تخريب استهدفت البنية التحتية للمنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، إلى جانب عمليات اغتيال طالت كبار العلماء النوويين والقادة الميدانيين، وهي أحداث وُجهت فيها أصابع الاتهام غالباً إلى الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية.

