قضت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مساء الخميس، بسجن سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، عشر سنوات نافذة، وبسجن عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، 12 سنة نافذة، في واحد من أكثر الملفات الجنائية إثارة للمتابعة في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وصدر الحكم في الملف المعروف إعلاميا باسم “إسكوبار الصحراء”، نسبة إلى تاجر مخدرات مالي هو الحاج أحمد بن إبراهيم، شكلت تصريحاته وتحقيقات مرتبطة به مدخلا لتفكيك شبكة اتهمت النيابة العامة عددا من أعضائها بالارتباط بالاتجار الدولي في المخدرات، وتبييض الأموال، والتزوير، ومعاملات عقارية ومالية مشبوهة.
ويعد الحكم ابتدائيا، ما يتيح للمدانين سلوك مسار الطعن أمام الدرجة الاستئنافية المختصة، وفق المسطرة الجنائية المغربية.
وشكلت الإدانة محطة فارقة في ملف تداخلت فيه السياسة والرياضة والمال، إذ كان الناصري، قبل توقيفه، من أبرز الوجوه الرياضية بالمغرب بصفته رئيسا سابقا للوداد الرياضي، أحد أكثر الأندية شعبية وتتويجا في البلاد، كما شغل مسؤوليات سياسية وانتخابية.
أما بعيوي فكان يرأس جهة الشرق، وهي إحدى الجهات الإدارية الكبرى في المملكة، وكان يعد بدوره من الأسماء البارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
وجاء النطق بالحكم بعد محاكمة طويلة استغرقت أكثر من عامين ونصف العام، وشهدت عشرات الجلسات، ومرافعات مطولة للنيابة العامة والدفاع، واستماع المحكمة إلى متهمين وشهود، بينهم رجال أعمال وموظفون وأشخاص ذوو صلات مفترضة بالمعاملات التي شكلت عصب الملف.
وقبل إدخال القضية للمداولة، أدلى عدد من المتهمين بكلماتهم الأخيرة أمام هيئة الحكم. ونفى الناصري، بحسب ما راج في الجلسة، أي علاقة له بالاتجار الدولي في المخدرات أو بالحاج أحمد بن إبراهيم، كما قدم وثائق قال إنها تدعم قانونية ممتلكات ومعاملات موضوع المتابعة.
واكتفى بعيوي، وفق المصادر نفسها، بالتماس البراءة دون الخوض تفصيلا في الوقائع المنسوبة إليه.
ملف بدأ من تصريحات “المالي”
وتعود بداية الملف إلى أواخر 2023، عندما تحركت التحقيقات بناء على معطيات مرتبطة بالحاج أحمد بن إبراهيم، المعروف بلقب “المالي” أو “إسكوبار الصحراء”، وهو تاجر مخدرات يقضي عقوبة سجنية في المغرب، بعدما كان اسمه متداولا في تقارير إعلامية دولية حول شبكات تهريب عابرة للحدود في الساحل وغرب إفريقيا وشمال المغرب.
وتشير معطيات الملف إلى أن بن إبراهيم قدم تصريحات حول ممتلكات وعلاقات ومعاملات مالية وعقارية قال إنها ربطته بأشخاص نافذين في المغرب.
ومن تلك التصريحات انطلقت أبحاث قادت إلى توقيف عدد من المشتبه فيهم، بينهم الناصري وبعيوي، وإحالتهم على القضاء.
ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى ملف رأي عام، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات، بل أيضا بسبب أسماء المتابعين. فالناصري ارتبط اسمه بناد كروي جماهيري يحظى بمتابعة واسعة داخل المغرب وخارجه، فيما ارتبط اسم بعيوي بمنصب انتخابي جهوي وبشبكة علاقات سياسية واقتصادية في شرق المملكة.
وواجه الناصري تهما من بينها المشاركة في اتفاقات مرتبطة بمسك المخدرات والاتجار فيها ونقلها وتصديرها أو محاولة تصديرها، إضافة إلى التزوير، واستعمال وثائق، والنصب، واستغلال النفوذ، وإخفاء أشياء متحصلة من جنحة، وتزوير شيكات واستعمالها، بحسب ما عرضته وسائل إعلام مغربية خلال أطوار المحاكمة.
أما بعيوي، فقد تابعته المحكمة بتهم تشمل الاتجار في المخدرات، والتزوير في محرر رسمي واستعماله، والحصول تحت الإكراه على محررات تثبت تصرفات أو إبراءات، والمشاركة في أفعال تمس الحرية الشخصية، فضلا عن تهم مرتبطة بتسهيل دخول وخروج أشخاص من التراب المغربي في إطار عصابة أو اتفاق، وفق المعطيات المتداولة في الملف.
صدمة سياسية ورياضية
في المغرب، تجاوزت القضية حدود المحاكمة الجنائية العادية. فقد أظهرت كيف يمكن لملفات الجريمة المنظمة أن تمتد إلى واجهات اجتماعية تبدو بعيدة عنها، من الرياضة الاحترافية إلى المجالس المنتخبة، ومن العقار إلى شبكات النفوذ المحلي.
وأثار توقيف الناصري، نهاية 2023، صدمة داخل الأوساط الرياضية، بالنظر إلى موقع الوداد الرياضي في كرة القدم المغربية والإفريقية. كما وضع توقيف بعيوي حزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية المرتبطة بمنتخبين ومسؤولين محليين.
وخلال جلسات المحاكمة، تشبث الدفاع بغياب الأدلة المادية المباشرة، وطعن في مصداقية تصريحات بن إبراهيم، معتبرا أنها تقوم على تصفية حسابات ومحاولة استرجاع ممتلكات أو أموال عبر المسار القضائي. في المقابل، تمسكت النيابة العامة بوجود قرائن ومعاملات وتحويلات وشهادات وخبرات تقنية تشكل، في نظرها، أساسا كافيا للإدانة.
ويكتسي الحكم أهمية خاصة لأنه يأتي في لحظة تشهد فيها المملكة تشديدا في التعامل مع قضايا غسل الأموال والجريمة المنظمة وتداخل المال غير المشروع مع الواجهات الاقتصادية والاجتماعية. كما يعيد الملف طرح أسئلة حول مراقبة مصادر الثروة، وتتبع المعاملات العقارية، وحدود النفوذ السياسي والرياضي عندما يتقاطع مع شبهات جنائية عابرة للحدود.
ولا ينهي الحكم الابتدائي المسار القضائي للملف، لكنه يمنح أول جواب قضائي في قضية تابعها الرأي العام المغربي على مدى أشهر طويلة، وراقبتها وسائل إعلام عربية ودولية باعتبارها واحدة من أكبر المحاكمات التي مست شخصيات سياسية ورياضية نافذة في المغرب خلال السنوات الأخيرة.

