يدخل المغرب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري بمقتضيات قانونية جديدة تجرم نشر الأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة بقصد التشهير بالمرشحين والناخبين أو التشكيك في صدقية الاقتراع ونزاهته. وبينما تصل العقوبات إلى خمس سنوات حبسا، يطرح اتساع أدوات الذكاء الاصطناعي تحديا مزدوجا يتعلق بحماية العملية الانتخابية من التضليل من جهة، وضمان ألا تمتد مكافحة الأخبار الزائفة إلى النقد السياسي والصحافي المشروع من جهة ثانية.
لم تعد صورة مفبركة لمرشح أو تسجيل صوتي مركب أو خبر كاذب يتداول على شبكات التواصل الاجتماعي خلال الانتخابات المغربية مجرد مادة تخضع للتكذيب أو للمواجهة السياسية والإعلامية، بعدما أدخل المشرع هذه الممارسات بصورة مباشرة إلى دائرة التجريم وحدد لها عقوبات تصل إلى خمس سنوات حبسا.
وسيختبر المغرب هذه القواعد للمرة الأولى خلال الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر، في استحقاق تجري المنافسة فيه داخل فضاء رقمي تغير كثيرا مقارنة بانتخابات 2021، سواء من حيث اتساع حضور شبكات التواصل الاجتماعي في الاتصال السياسي أو بسبب الطفرة التي شهدتها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تركيب الصور والأصوات والمقاطع المصورة.
وتضمنت المنظومة الانتخابية مادة جديدة تجرم توظيف وسائل تكنولوجيا الإعلام والتواصل في بث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته من دون موافقته، إلى جانب نشر أخبار زائفة أو ادعاءات ووقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها، متى ارتبط ذلك بقصد المس بالحياة الخاصة للناخبين أو المرشحين أو التشهير بهم.
ويمتد التجريم أيضا إلى الإشاعات والأخبار الزائفة التي يجري نشرها أو توزيعها بقصد التشكيك في صدقية الانتخابات ونزاهتها، وهو مقتضى ينقل للمرة الأولى المواجهة القانونية مع التضليل إلى قلب العملية الانتخابية نفسها، بدلا من حصرها في حماية الأشخاص من التشهير أو المس بالحياة الخاصة.
وتحدد المادة 51 المكررة العقوبة في الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة تراوح بين 50 ألفا و100 ألف درهم، في رسالة ردع واضحة قبل أقل من ثلاثة أسابيع على موعد الاقتراع.
عقوبة التضليل
يأتي التشديد في ظرف لم يعد فيه إنتاج المحتوى المفبرك يتطلب إمكانات تقنية كبيرة أو معرفة متخصصة. فبرامج الذكاء الاصطناعي أتاحت لمستخدمين عاديين تركيب صور وتقليد أصوات وإنتاج مقاطع تظهر أشخاصا وهم يقولون أو يفعلون أشياء لم تصدر عنهم، ثم دفعها إلى التداول في فضاء تتحرك فيه المعلومة بسرعة تفوق غالبا قدرة الأطراف المعنية على نفيها.
وتزداد حساسية المسألة خلال الانتخابات لأن المحتوى الزائف لا يستهدف دائما إقناع المتلقي برواية تستمر طويلا، إذ يكفي أحيانا أن يحدث أثرا في لحظة سياسية محددة أو يزرع شكا في مرشح أو مؤسسة خلال الساعات التي تسبق التصويت.
ومن هنا ربطت المقتضيات الجديدة التجريم بالقصد الجنائي، فلم تجعل مجرد نشر معلومة غير صحيحة أساسا كافيا للعقاب، وإنما اشترطت نية الإضرار أو التشهير أو التأثير غير المشروع في سير العملية الانتخابية.
وهذا التفصيل يضع التطبيق العملي للنص أمام منطقة دقيقة، لأن الانتخابات بطبيعتها فضاء للجدل والاتهام والنقد والمبالغة السياسية، كما أن الصحافة قد تقع في الخطأ أو تنشر معلومات تتبين لاحقا عدم دقتها من دون أن يكون وراء ذلك قصد للتضليل.
مهدي عامري، أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال وخبير في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يرى أن الحماية القانونية للانتخابات من الحملات الرقمية المنظمة أصبحت مطلوبة، لكنه يضع التمييز بين التضليل المتعمد وحرية التعبير في صلب نجاح هذه المقتضيات.
وقال عامري إن التأطير القانوني لاستعمال الوسائط الرقمية يروم حماية الأفراد والمؤسسات من “محاولات التشكيك الممنهج وغير المؤسس في نزاهتها عبر حملات رقمية منظمة”، فضلا عن حماية الفضاء العمومي الرقمي من التحول إلى منصة للابتزاز.
لكن الخبير يعتبر أن الدفاع عن نزاهة الانتخابات لا ينفصل عن ضرورة حماية المجال المتاح للنقاش العام والصحافة، قائلا إن الأمر يتطلب “إعمال روح قانونية متوازنة تفرق بوضوح بين التزييف المتعمد والخطأ غير المقصود، وبين النقد العمومي المشروع والتشهير الشخصي”.
حرية التعبير
تكشف هذه الحدود عن واحد من أصعب جوانب قوانين مكافحة الأخبار الزائفة، إذ لا يدور الخلاف عادة حول معاقبة من يصنع تسجيلا مزورا أو مستندا مختلقا وينسبه عمدا إلى مرشح، بقدر ما يظهر عند تحديد ما إذا كان محتوى معين يمثل خبرا كاذبا بقصد الإضرار أم قراءة سياسية أو انتقادا حادا أو خطأ صحافيا.
ولهذا حرصت المقتضيات الجديدة على ربط العقوبة بالنية، بما يستبعد، وفق الأساس الذي قدمت به، الحالات التي يغيب فيها قصد المس بالغير أو التأثير غير المشروع على الانتخابات.
ويعني ذلك أن الاختبار لن يكون في وجود النص القانوني وحده، وإنما في تفسيره عند ظهور أولى القضايا المرتبطة بالمحتويات الانتخابية على المنصات الرقمية، وفي قدرة الممارسة القضائية على المحافظة على المسافة الفاصلة بين محاربة حملات التضليل وحماية حرية الرأي والتعبير.
وتكتسب المسألة بعدا أوسع عندما يتعلق الأمر بالتشكيك في نزاهة الانتخابات، لأن مراقبة الاستحقاقات وانتقاد تدبيرها والطعن السياسي في بعض ممارساتها تظل من صميم النقاش العام، بينما يستهدف النص الأخبار والإشاعات الزائفة المنشورة بقصد التشكيك في صدقية العملية الانتخابية.
وهنا يصبح القصد والسياق وطبيعة المحتوى عناصر حاسمة في التمييز بين المساءلة المشروعة للمؤسسات الانتخابية وصناعة وقائع مختلقة بغرض تقويض الثقة فيها.
ويرى عامري أن هذه الموازنة لا ينبغي أن تترك للقانون الجنائي وحده، داعيا إلى مقاربة تشمل التربية الإعلامية والرقمية، خصوصا لدى الشباب، حتى يصبح التحقق من مصدر المعلومات وفحص الصور والمقاطع جزءا من سلوك المتلقي نفسه.
فالردع يبدأ بعد وقوع الفعل، بينما تنتقل المواد المضللة عبر شبكات التواصل بسرعة، ويكون جزء من أثرها قد تحقق قبل الوصول إلى صاحبها أو معرفة مصدرها، وهو ما يجعل قدرة الجمهور على التحقق عاملا مكملا للحماية القانونية.
الذكاء الاصطناعي
كانت الأخبار الزائفة حاضرة قبل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن الجديد يكمن في مستوى الإقناع الذي أصبحت تتيحه المواد المفبركة وفي انخفاض كلفة إنتاجها.
فبدلا من اقتطاع تصريح من سياقه أو تركيب صورة بصورة بدائية، أصبح من الممكن تقليد صوت شخص وإنتاج حديث كامل له أو وضع صورته داخل تسجيل مصور لم يشارك فيه، وهي تطبيقات ترفع كلفة التحقق على الصحافي والناخب والحزب في الوقت نفسه.
وينظر عامري إلى الصحافة المهنية باعتبارها جزءا رئيسا من مواجهة هذا الوضع، إذ لم يعد دور الصحافي في رأيه يتوقف عند نقل المعلومة، وإنما يشمل التحقق منها وتفسيرها وتفكيكها ووضعها في سياقها.
وتزداد هذه الوظيفة أهمية خلال الانتخابات لأن إعادة نشر محتوى واسع التداول من دون التحقق منه قد تمنحه مصداقية إضافية وتوسع دائرة وصوله، حتى عندما يكون الهدف من النشر التعليق عليه أو مناقشته.
أما الأحزاب والمؤسسات فتواجه بدورها ضغطا مختلفا، إذ لم يعد ممكنا ترك إشاعة متداولة لساعات طويلة من دون رد في انتظار مساطر التواصل التقليدية. ويرى عامري أن التواصل السريع والشفاف ضروري لقطع الطريق على الشائعات، التي تجد في غياب المعلومات أو تأخر التوضيحات مجالا مناسبا للانتشار.
ويضع ذلك الأحزاب المشاركة في انتخابات 2026 أمام منافسة رقمية لا تتعلق فقط بقدرتها على إيصال برامجها ورسائلها إلى الناخبين، بل أيضا بسرعة التحقق من المحتوى المنسوب إلى مرشحيها والرد على المواد المفبركة التي قد تستهدفهم.
اختبار التطبيق
تراهن المقتضيات الجديدة على توفير حماية قانونية للناخب والمرشح والمؤسسات المنبثقة عن الانتخابات، وحماية الحياة الخاصة والسمعة من الاستعمال غير المشروع للصور والأقوال، إلى جانب ردع الحملات التي تستهدف صدقية الاقتراع.
لكن انتخابات 23 شتنبر ستحدد للمرة الأولى كيف ستعمل هذه القواعد خارج النصوص، ومن هي الحالات التي ستدخل فعليا إلى نطاق المادة 51 المكررة، وكيف ستتعامل السلطات والقضاء مع الحدود التي تفصل الخبر الزائف المتعمد عن المعلومة الخاطئة والنقد السياسي والصحافي.
وبين عقوبة تصل إلى خمس سنوات حبسا ووسائل تقنية تتيح إنتاج محتوى زائف خلال دقائق، تنتقل معركة نزاهة الانتخابات المغربية إلى مساحة جديدة، يصبح فيها التحقق من المعلومة جزءا من شروط المنافسة السياسية نفسها، بينما يظل نجاح الردع القانوني مرتبطا بقدرته على استهداف التضليل من دون تحويل الشك أو النقد أو الخطأ غير المقصود إلى جريمة.

