تباينت مواقف الحكومة الإسبانية بشأن مسؤولية المغرب في أحداث سبتة بين الإشادة بتعاونه، والمطالبة بالتحقيق فيمن “سمح أو تغاضى” عن تدفق عشرات الآلاف، فيما أضاف تقرير للشرطة معطيات عن “تحرك مخطط” ووجود عناصر مرتبطة بالأمن المغربي، قبل أن يتمسك بيدرو سانشيز بغياب أدلة صلبة تثبت أن الرباط خططت للعملية أو نفذتها.
من روبليس التي طالبت الرباط بالتحقيق “حتى النهاية”، إلى ألباريس الذي أشاد بتعاونها، ثم تقرير شرطي تحدث عن “توجيه نشط” للمهاجرين، قبل أن يؤكد سانشيز غياب أدلة صلبة على تخطيط المغرب للأحداث
لم تستقر الحكومة الإسبانية، بعد أكثر من شهر على أحداث سبتة، على رواية واحدة بشأن الدور الذي لعبه المغرب خلال التدفق الجماعي الذي شهدته المدينة في الـ30 والـ31 من يوليوز الماضي، إذ تراوحت تصريحات أعضائها بين الإشادة بتعاون الرباط، والمطالبة بمحاسبة من “سمح أو تغاضى” عن وصول عشرات الآلاف إلى الحدود، والإقرار بوجود مسؤولية مغربية “بالفعل أو الامتناع”، وصولا إلى تمسك رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بعدم وجود أدلة صلبة تثبت أن السلطات المغربية خططت للعملية أو نفذتها.
واتسعت مساحة التباين مطلع سبتمبر الجاري بعد ظهور تقرير أعده مركز الهجرة والحدود التابع للشرطة الوطنية الإسبانية “CENIF” بطلب من المحكمة الوطنية، إذ وصف ما وقع بأنه تحرك “مخطط” وغير عفوي، وتحدث عن تصرفات منسوبة إلى عناصر من قوات الأمن المغربية شملت توجيه مجموعات من الأشخاص نحو منافذ العبور، في وقت كان مسؤولون في الحكومة الإسبانية يؤكدون منذ الأسابيع الأولى للأزمة أن تعاون المغرب أسهم في احتواء التدفقات وإعادة أعداد كبيرة ممن دخلوا سبتة.
وباتت الروايات المتباينة تشمل رئاسة الحكومة ووزارات الدفاع والداخلية والخارجية والهجرة، فضلا عن وزير ينتمي إلى الشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي، فيما أضاف الخلاف حول التحذيرات التي سبقت الأحداث مستوى آخر من التباين بين مؤسسات الدولة الإسبانية نفسها.
بداية حذرة
منذ الساعات الأولى للأحداث اتجهت وزارة الداخلية إلى إبعاد الاتهام عن المغرب. ففي 30 يوليوز، وبينما كانت سبتة لا تزال تستقبل تدفقات كبيرة، أصدرت الوزارة بيانا أشادت فيه بما وصفته “التعاون النموذجي” بين إسبانيا والمغرب في ملف الهجرة، وقالت إن شبكات تهريب الأشخاص تستغل حكما للمحكمة العليا الإسبانية لتشجيع الشباب على العبور.
وشكر وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا السلطات المغربية على ما قال إنها جهود بذلتها قوات الأمن لمنع آلاف محاولات الهجرة غير النظامية، معلنا أن البلدين اتفقا على تشديد التنسيق وتسريع إعادة الداخلين إلى المغرب.
وجاء ذلك فيما كانت تقديرات الحكومة الإسبانية تتحدث لاحقا عن دخول ما بين 50 و60 ألف شخص خلال يوم واحد، بينما رفعت تقارير أخرى العدد إلى ما يفوق 70 ألفا.
وبعد يومين، حافظ مارلاسكا على الخط نفسه، وقال خلال وجوده في سبتة إن الحكومة تعاملت بسرعة مع دخول عشرات الآلاف، مركزا على الإجراءات الإسبانية لإعادة ضبط الحدود، ومنها تثبيت حاجز بحري قرب معبر تاراخال بعد الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في الثامن من يوليوز.
روبليس تشير إلى الرباط
وفي الثالث من غشت، نقلت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس النقاش إلى اتجاه آخر، إذ طالبت المغرب بـ”التحقيق حتى النهاية” في كيفية حدوث التدفق الجماعي، وقالت إن من كان وراء الأحداث، سواء كانت شبكات أو من “سمح بها أو تغاضى عنها”، سيتعين عليه تحمل المسؤولية.
وأضافت أن سيادة إسبانيا ووحدة أراضيها “لا تمسان”، وربطت تصريحاتها بضرورة معرفة من يقف خلف ما وقع، مع دفاعها في الوقت نفسه عن عمل أجهزة الاستخبارات الإسبانية.
وكان ذلك أول موقف صادر عن عضو بارز في الحكومة يضع احتمال مسؤولية مغربية في صلب النقاش الرسمي بعد الأزمة، بعدما كانت التصريحات السابقة تركز على شبكات التهريب، وتأويل الحكم القضائي، والتعاون القائم مع الرباط.
ألباريس يشيد بالتعاون
وفي اليوم نفسه، كان وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس يقدم رواية مختلفة لسلوك المغرب خلال الأزمة، إذ قال إن الرباط تعاونت “منذ اللحظة الأولى” لمحاولة وقف التدفقات، وإنها واصلت المساعدة من أجل إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية.
وعندما سئل عما إذا كان المغرب لا يزال “شريكا موثوقا” بعد الأحداث، أحال ألباريس إلى ما وصفه بالوقائع، مشيرا إلى تعاون السلطات المغربية على منع التدفقات واستعادة الداخلين.
وبين مطالبة روبليس المغرب بالتحقيق فيمن “سمح أو تغاضى” عن العملية، وتمسك ألباريس بسلوك الرباط دليلا على التعاون، استمر داخل الحكومة خطابان مختلفان بشأن الجار الجنوبي، أحدهما يفتح باب المسؤولية، والثاني يستند إلى التعاون لنفي القطيعة في الثقة.
ولم يتوقف الأمر عند اليوم الثالث من غشت، إذ واصلت روبليس خلال الأسابيع التالية الحديث بنبرة أمنية مشددة عن أحداث سبتة، وقالت خلال زيارة إلى المدينة في 12 غشت إن ما وقع في الـ30 من يوليوز “لا يمكن أن يتكرر”، وإن أي مساس بسبتة أو مليلية يمثل، من وجهة نظر مدريد، مساسا بإسبانيا كلها.
وفي المقابل، حافظت وزيرة الهجرة والمتحدثة باسم الحكومة إلما سايز على تقييم إيجابي للعلاقة مع الرباط، ووصفت المغرب بأنه “شريك موثوق”، فيما استمرت الحكومة في إعلان التنسيق معه بشأن إعادة المهاجرين وتدبير ملف القاصرين.
“مسؤولية” داخل الائتلاف
وعادت مسألة مسؤولية المغرب بقوة في الثاني من شتنبر بعد تسريب مضمون التقرير الشرطي المرسل إلى المحكمة الوطنية.
وفي اليوم نفسه، قال وزير الثقافة والمتحدث باسم تحالف “سومار” إرنست أورتاسون، وهو عضو في الحكومة الائتلافية، إن من “الواضح” أن المغرب يتحمل “نوعا من المسؤولية”، سواء بفعل مباشر أو بسبب عدم التدخل.
وقال أورتاسون إن عبور أعداد بهذه الضخامة عبر حدود بين بلدين يجعل وجود شكل من أشكال المسؤولية لدى الدولة المجاورة أمرا واضحا من وجهة نظره.
ومع هذا التصريح، أصبحت الحكومة الإسبانية تجمع في الوقت نفسه بين وزراء يتحدثون عن المغرب بوصفه “شريكا موثوقا”، ووزيرة دفاع تثير مسألة من “سمح” بالعبور، ووزير يعتبر وجود مسؤولية مغربية “بالفعل أو الامتناع” أمرا واضحا.
تقرير يربك الحكومة
وتزامن اتساع السجال السياسي مع ظهور عنصر جديد لم يصدر عن حزب معارض أو جهة سياسية، بل عن جهاز تابع للشرطة الوطنية.
فقد خلص تقرير مركز الهجرة والحدود “CENIF”، المرفوع إلى قاضية المحكمة الوطنية ماريا تاردون، إلى أن الدخول الجماعي إلى سبتة كان “مخططا” ولم يكن حدثا عفويا.
وأشار التقرير إلى أن مستوى التنظيم يفوق قدرات شبكات تهريب الأشخاص المعروفة لدى الشرطة في المنطقة، وتحدث عن “تساهل كامل” من جانب القوات المغربية خلال فترات من الأزمة، وعدم تسجيل محاولات جدية لتفريق الحشود أو إبعادها عن محيط الحدود.
وذهب معدو الوثيقة أبعد من ذلك، إذ تحدثوا عن وجود عناصر أمن مغربية بزي رسمي وآخرين بلباس مدني وسط المجموعات، ووصفوا بعض التصرفات بأنها “توجيه نشط” لتدفقات الأشخاص نحو نقاط العبور.
كما سجل التقرير أن الجزء الأكبر من الرسائل التي سبقت الأحداث خرج من هواتف مغربية، وأن العملية جرت على مراحل تضمنت في البداية شبانا، ثم عائلات ونساء وأطفالا، بما أدى إلى إنهاك قدرات المراقبة على الجانب الإسباني.
ولم يحدد التقرير جهة بعينها باعتبارها صاحبة القرار أو “العقل المدبر”، لكنه استبعد الطابع العفوي للأحداث، كما استبعد أن تكون شبكات تهريب تقليدية قادرة بمفردها على إدارة عملية بهذا الحجم.
الداخلية تسأل
ومع نشر مضمون الوثيقة، وجه مارلاسكا رسالة إلى المدير العام للشرطة فرانسيسكو باردو يسأله فيها، “إذا كانت المعلومات صحيحة”، منذ متى كانت الشرطة تعرف أن عناصر مغربية وجهت دخول الأشخاص نحو سبتة.
واعتبر وزير الداخلية هذه المعلومات “أساسية” حتى تتمكن الحكومة من اتخاذ القرارات المرتبطة بالسياسة الداخلية والخارجية والدفاع عن الدولة، بعد أسابيع من تصريحات متكررة للداخلية تشيد بالتعاون المغربي وتربط الأحداث بالشبكات الإجرامية والتأويل الذي انتشر حول حكم المحكمة العليا.
ورد المدير العام للشرطة بأن الجهاز لا يملك “أي تقرير” ينسب إلى قوات الأمن المغربية “تخطيط أو تنفيذ” أحداث الـ30 والـ31 من يوليوز، موضحا أن الوثائق المتاحة لا تسمح بتحديد الجهة التي تقف فكريا وراء العملية.
ولم ينف هذا الرد ما ورد في تقرير “CENIF” بشأن تصرف عناصر مغربية أو حديثه عن “التوجيه النشط” و”التساهل”، إذ انصب النفي على وجود تقرير يحمل قوات الأمن المغربية مسؤولية “التخطيط أو التنفيذ”، بينما ظلت الوقائع الميدانية الواردة في الوثيقة قائمة ضمن المادة المرفوعة إلى القضاء.
الحكومة تطلب الحذر
وفي السياق نفسه، قال وزير الرئاسة والعدل فيليكس بولانيوس إن الحكومة بدأت دراسة التقرير، ودعا إلى “أقصى درجات الحذر” قبل توجيه اتهامات إلى المغرب.
وأكد بولانيوس أن الحكومة لن تتخذ موقفا قبل الاطلاع على كل تفاصيل الوثيقة، بعد ظهور المعلومات التي تربط عناصر مغربية بتوجيه تحركات باتجاه سبتة.
وخلال ساعات قليلة، انتقل النقاش من سؤال مارلاسكا عن معلومات وصفها بأنها “أساسية” لاتخاذ قرارات تخص الدفاع عن الدولة، إلى تأكيد قيادة الشرطة عدم وجود وثيقة تتهم المغرب بالتخطيط، ثم دعوة وزير الرئاسة إلى انتظار اكتمال دراسة الملف.
سانشيز يحسم موقفه
وفي الثالث من شتنبر ظهر رئيس الوزراء أمام مجلس النواب ليحدد موقف رئاسة الحكومة.
وقال سانشيز إنه “حتى اليوم” لم يقدم أي جهاز أو مؤسسة، داخل إسبانيا أو خارجها، أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط أو نفذ أحداث سبتة.
وأضاف أن الأجهزة المختصة ما زالت تحقق في الملف، وأن حكومته ستتصرف “بكل حزم” إذا ظهرت تلك الأدلة.
وقدم سانشيز سببا آخر لبداية الأزمة، قائلا إن “الشرارة المعلوماتية” كانت تفسيرا محرفا لحكم المحكمة العليا بشأن عمليات الإعادة عند الحدود البحرية، وإن الشائعات انتشرت عبر شبكات التواصل، قبل أن تستغلها شبكات ووسطاء يقدمون معدات وخدمات للراغبين في العبور.
وكان سانشيز قد ذهب قبل ذلك بأيام إلى اتهام شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل، إلى جانب تيارات من اليمين المتطرف، بالمساهمة في نشر معلومات مضللة استغلت أزمة سبتة، مع استبعاده ضلوع المغرب في تدبير التدفق الجماعي، فيما نفت موسكو وتل أبيب تلك الاتهامات.
تحذير سابق
وبينما كان الجدل يدور حول مضمون تقرير الشرطة اللاحق للأحداث، ظهرت وثيقة أخرى أعدها الجهاز نفسه قبل يومين من التدفق الجماعي.
ففي 28 يوليوز قيم مركز “CENIF” احتمال حدوث “تخفيف مؤقت للمراقبة الحدودية المغربية” خلال المناسبات، واعتبر هذا السيناريو أحد أشكال “الضغط السياسي”، ضمن تقرير تناول تحديدا خطر وقوع عمليات دخول غير نظامية إلى سبتة يوم 30 يوليوز، أي في اليوم الذي اندلعت فيه الأزمة.
كما أرسل المركز في 29 يوليوز تنبيها بشأن مستوى “متطرف” لخطر تدفقات الهجرة غير النظامية، لكن قيادة الشرطة قالت لاحقا إن هذا النوع من التنبيهات متكرر ولم يتضمن توقعا واضحا لدخول عشرات الآلاف في اليوم التالي.
وتزامن ذلك مع خلاف آخر داخل الحكومة بشأن ما إذا كان مركز الاستخبارات الوطني “CNI” حذر مسبقا من الأحداث.
ففي 25 غشت قالت روبليس أمام البرلمان إن المركز نقل معلومات إلى مندوبية الحكومة في سبتة بشأن خطر حدوث دخول عبر البحر، وإن مثل هذه المعلومات لا تقدم دائما في وثائق مكتوبة.
وفي اليوم نفسه أكد مارلاسكا أنه “لم يكن هناك أي تقرير”، بينما أصدرت مندوبية الحكومة في سبتة بيانا قالت فيه إنها لم تتلق تحذيرا من ذلك النوع.
وبعد يوم، قال وزير السياسة الترابية أنخيل فيكتور توريس بدوره إنه “لم تكن هناك اتصالات”، لتظل رواية وزيرة الدفاع بشأن المعلومات الاستخباراتية السابقة للأزمة في مواجهة روايات الداخلية ومندوبية الحكومة ووزير آخر من الفريق الحكومي.
سابقة 2021
وتختلف تحفظات الحكومة الحالية بشأن نسبة المسؤولية إلى المغرب عن اللغة التي استعملها سانشيز نفسه خلال أزمة سبتة السابقة سنة 2021.
ففي 31 ماي من ذلك العام قال رئيس الحكومة إن فتح الحدود أمام دخول أكثر من 10 آلاف شخص بسبب خلاف في السياسة الخارجية أمر “غير مقبول إطلاقا”، وأضاف أن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تبنى على السماح بدخول أعداد كبيرة إلى مدينة إسبانية بسبب خلافات سياسية.
وبعد خمسة أعوام، ومع تدفق أكبر حجما، وتقرير صادر عن جهاز تابع للشرطة يصف العملية بأنها مخططة ويتحدث عن تحركات لعناصر أمن مغربية، عاد سانشيز إلى البرلمان متمسكا بعبارة مختلفة، “لا توجد حتى اليوم أدلة صلبة على أن المغرب خطط أو نفذ ما حدث”.
وبين الموقفين، تواصل الحكومة الإسبانية تحقيقاتها في أحداث سبتة، فيما تتوزع تصريحات أعضائها بين الإشادة بالشراكة والتعاون، والتحفظ على توجيه الاتهام، والمطالبة بالتحقيق فيمن سمح بالعبور، والإقرار بمسؤولية مغربية من نوع ما، بينما تنتظر المحكمة الوطنية بدورها استكمال التقارير لتحديد المسار القضائي للملف.

