استيقظت إسبانيا صباح الاثنين على وقع واحدة من أسوأ كوارث السكك الحديدية في تاريخها الحديث، حيث تحولت رحلة روتينية لآلاف المسافرين عبر الجنوب إلى مأساة دموية أسفرت عن مقتل 39 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات، في حادث تصادم وُصف بـ “النادروالمعقد” بين قطارين فائقي السرعة.
ووقع الحادث المروع بالقرب من بلدة أداموز في مقاطعة قرطبة، وهي نقطة حيوية ضمن شبكة القطارات السريعة التي تربط العاصمة مدريد بإقليم الأندلس، مما أدى إلى شلل تام في حركة النقل بالمنطقة وإعلان الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام.
وتشير المعطيات التي جمعتها فرق التحقيق الأولية إلى سيناريو كارثي بدأ بخروج قطار تابع لشركة “إيريو” (Iryo) الخاصة عن مساره لسبب لا يزال مجهولاً، ليقتحم المسار المقابل في اللحظة التي كان يمر فيها قطار تابع للشركة الوطنية “رينفي” (Renfe)، مما أدى إلى اصطدام جانبي عنيف دمر العربات الأمامية لكلا القطارين.
ويطرح هذا الحادث تساؤلات جدية ومقلقة حول فعالية أنظمة الأمان الآلي المستخدمة في شبكة السكك الحديدية الإسبانية (Adif)، والتي تُصنف عادة ضمن الأكثر أماناً وتطوراً في أوروبا والعالم.
ويركز الخبراء في تفسيرهم الأولي للكارثة على احتمالية حدوث فشل مزدوج في نظام إدارة حركة القطارات الأوروبي (ERTMS)، وهو النظام المسؤول عن مراقبة سرعة القطارات والمسافات الفاصلة بينها، والذي من المفترض أن يوقف القطار آلياً في حال حدوث أي خلل أو خروج عن المسار المحدد.
وفي سياق متصل، أوضح مصادر نقابية أن التحقيقات ستنصب أيضاً على حالة “التحويلة” أو مفترق السكك في منطقة أداموز، حيث يشتبه في أن عطلاً ميكانيكياً أو إلكترونياً قد يكون تسبب في انحراف قطار “إيريو” بشكل مفاجئ نحو المسار المعاكس، وهو ما وصفه وزير النقل أوسكار بوينتي بأنه “حادث غريب للغاية وغير مسبوق في نمطه”.
ويأتي هذا الحادث في وقت تشهد فيه السكك الحديدية الإسبانية تحولاً جذرياً وتاريخياً، بعد فتح السوق للمنافسة وإنهاء احتكار شركة “رينفي” الحكومية، حيث دخلت شركات جديدة مثل “إيريو” الإيطالية و”ويغو” الفرنسية إلى السوق، مما ضاعف عدد الرحلات وكثافة الحركة على الشبكة بشكل كبير خلال العامين الماضيين.
ويرى مراقبون أن هذه الكثافة العالية في التشغيل، رغم فوائدها الاقتصادية وتوفيرها لخيارات أرخص للمسافرين، قد وضعت ضغوطاً غير مسبوقة على البنية التحتية وصيانة المسارات، وهو ما حذرت منه نقابات السائقين مراراً في الأشهر الأخيرة، مطالبة بزيادة فترات الصيانة الوقائية.
وتعيد هذه المأساة إلى الأذهان ذكرى حادث قطار “سانتياغو دي كومبوستيلا” عام 2013، الذي أودى بحياة 80 شخصاً، رغم أن ظروف الحادثين مختلفة تماماً؛ فبينما كان حادث 2013 ناتجاً عن سرعة زائدة عند منعطف خطير، فإن حادث اليوم يتعلق بتصادم بين قطارين وتداخل في المسارات، وهو أمر يعتبر “شبه مستحيل” نظرياً في ظل التكنولوجيا الحالية.
وفي موقع الحادث، واصلت فرق الطوارئ ووحدة الطوارئ العسكرية (UME) العمل طوال الليل وصباح اليوم وسط حطام العربات الملتوية، مستخدمين طائرات مسيرة (درون) وكلاباً مدربة للبحث عن ناجين محتملين أو جثث لا تزال عالقة تحت أطنان الحديد.
ووصف المتحدث باسم الحرس المدني المشهد بأنه “مؤلم للغاية”، مشيراً إلى أن قوة الاصطدام كانت هائلة لدرجة أنها قذفت ببعض العربات لمسافة عشرات الأمتار بعيداً عن السكة، مما عقّد مهمة الوصول إلى الضحايا وتطلب استقدام رافعات عملاقة من المدن المجاورة.
من جهتها، سارعت الحكومة الإسبانية إلى طمأنة الرأي العام الدولي والمحلي، مؤكدة أن شبكة القطارات السريعة لا تزال آمنة، وأن ما حدث هو “حالة استثنائية” سيتم كشف ملابساتها بكل شفافية، في حين بدأت لجنة تحقيق مستقلة فحص الصناديق السوداء للقطارين التي تم استخراجها صباح اليوم.
ومع استمرار توافد أهالي الضحايا إلى مركز الدعم النفسي في قرطبة، يلف الحزن إسبانيا التي تواجه اليوم اختباراً صعباً لنموذجها في النقل السككي، وسط مطالبات بمراجعة شاملة لإجراءات السلامة في ظل الازدحام المتزايد على الخطوط الحديدية.

