برز تحول لافت في مقاربة بعض دوائر القرار ووسائل الإعلام الغربية لوضع مدينتي سبتة ومليلية، بعدما بدأت تتراجع الصيغة الإسبانية التقليدية التي تقدمهما باعتبارهما “جيبين إسبانيين”، لصالح توصيف يفصل بين الإدارة الإسبانية القائمة والسيادة التي يتمسك بها المغرب على مدينتين تقعان داخل امتداده الترابي والجغرافي والتاريخي.
ويعيد هذا التحول المطالبة المغربية إلى موقعها الطبيعي داخل تعريف المدينتين، بدل التعامل معها كاعتراض جانبي على وضع محسوم.
فسبتة ومليلية لا ترتبطان بإسبانيا جغرافيا، بل تقومان على الساحل المغربي وتشكلان جزءا من المجال الترابي لشمال المملكة، بينما تستند مدريد إلى إدارة موروثة عن مرحلة توسعها الاستعماري خارج أوروبا.
من الإدارة إلى السيادة
وفي وثيقة تناقش اعتمادات الأمن القومي والسياسة الخارجية للسنة المالية 2027، أشارت لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأميركي إلى أن المدينتين “تخضعان للإدارة الإسبانية وتقعان في التراب المغربي”.
ولم تكتف الوثيقة بهذا الفصل الواضح بين الإدارة والسيادة، بل سجلت استمرار مطالبة الرباط بهما، ودعت إلى انخراط دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا بشأن وضعهما المستقبلي.
ولا تمثل الوثيقة اعترافا أميركيا رسميا بالسيادة المغربية، كما لا تغير سياسة واشنطن المعلنة. لكنها تكتسب أهمية سياسية لأنها تنزع عن الإدارة الإسبانية صفة الملكية النهائية، وتتعامل معها باعتبارها وضعا قائما لا يلغي أصل النزاع ولا يسقط حق المغرب في استكمال وحدته الترابية.
كما تكسر الوثيقة احتكار مدريد للغة التي يعرف بها الغرب المدينتين. فقد ظلت عبارة “الجيبين الإسبانيين” تؤدي وظيفة سياسية تتجاوز الوصف الجغرافي، إذ تجعل السيادة الإسبانية جزءا من اسم المكان، ثم تختزل الموقف المغربي في مطالبة لاحقة.
أما وصفهما بأنهما مدينتان تحت الإدارة الإسبانية وتقعان على التراب المغربي، فيعيد ترتيب المعادلة ويضع الإدارة في مواجهة الجغرافيا والسيادة المطالب بها.
وامتد هذا التحول إلى تغطيات صحفية دولية مرجعية. فعقب محاولات العبور الجماعي نحو سبتة في نهاية يوليوز الماضي، وصفت صحيفة “لوموند” الفرنسية المدينتين بأنهما “ممتلكات متنازع عليها”، وأدخلت المطالبة المغربية في صلب تفسير العلاقة بين الرباط ومدريد.
كما أدرجت “فايننشال تايمز” الخلاف حول السيادة على سبتة ضمن الملفات الاستراتيجية العالقة بين البلدين.
ومع اتساع هذه التوصيفات البديلة، بدأ القارئ الدولي يواجه لغة تميز بين السيطرة الإدارية الحالية والانتماء الترابي، وتعيد وضع المدينتين ضمن قضية لم تغلقها الخرائط التي خلفتها المرحلة الاستعمارية.
ويضع هذا المعجم الجديد مدريد أمام عبء سياسي لم تكن تواجهه بالحدة نفسها. فقد اعتادت إسبانيا تقديم سبتة ومليلية كجزء مكتمل من ترابها الوطني، من دون الخوض في انفصالهما الجغرافي عنها أو ارتباطهما العضوي بالمغرب.
أما اليوم، فتواجه رواية مقابلة تعتبر وجودها في المدينتين إدارة قائمة فوق أرض يطالب المغرب باستعادتها ضمن مسار استكمال وحدته الترابية.
وتتمسك مدريد بموقفها عبر نظامها الدستوري وإعلاناتها المودعة لدى الأمم المتحدة، وتمنح المدينتين وضعا إداريا داخليا تحت مسمى الحكم الذاتي. لكن هذا الإطار الإسباني لا يلغي حقيقة أن المدينتين تقعان داخل المجال المغربي، ولا يمنع الرباط من التمسك بحقها السيادي والتاريخي فيهما.
الاقتصاد يعيد رسم المعادلة
ويتزامن هذا التحول في اللغة مع سياسة مغربية أعادت ضبط العلاقة الاقتصادية بين المدينتين ومحيطهما.
فقد أغلقت الرباط الجمارك التجارية في مليلية، وأنهت التهريب المعيشي من سبتة، ووسعت بنيتها المينائية عبر طنجة المتوسط، بينما تستعد لتشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط.
ولم تستهدف هذه الإجراءات عزل شمال المغرب، بل إنهاء اعتماد اقتصاده المحلي على منافذ خاضعة للاستعمار الإسباني، وتحويل المبادلات نحو بنى وطنية تخضع للسيادة المغربية. كما قلصت الوظائف التجارية التي منحت المدينتين نفوذا يتجاوز حجمهما، وكشفت اعتمادهما على محيط مغربي لم تعودا قادرتين على الاستفادة منه بالشروط التجارية القديمة.
ولا يحسم الاقتصاد وحده مسألة السيادة، لكنه يعيد تشكيل موازين القوة حولها. فكلما عزز المغرب موانئه وشبكاته التجارية ومناطقه الصناعية، تقلصت الوظيفة التي أدتها سبتة ومليلية بوصفهما منفذين أوروبيين داخل التراب المغربي، وبرز انفصالهما عن محيطهما كاختلال سياسي أكثر منه واقعا جغرافيا طبيعيا.
ولا يندرج وضع المدينتين حاليا ضمن مسار تفاوضي معلن أو ملف معروض على لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة. لكن غياب المسار الدولي لا يلغي أصل المطالبة المغربية، ولا يحول الإدارة الإسبانية إلى سيادة غير قابلة للنقاش.
ويتمثل التحول الأهم في انتقال الموقف المغربي من هامش التغطية إلى قلب تعريف المدينتين. فبعد عقود من اختزالهما في عبارة “جيبين إسبانيين”، بدأت بعض الدوائر الغربية تتعامل معهما باعتبارهما مدينتين تقعان على التراب المغربي وتخضعان لإدارة إسبانية، فيما يظل وضعهما المستقبلي مفتوحا على النقاش.
لم تتغير الخرائط بعد، ولم تبدأ مفاوضات حول السيادة. لكن الرواية الإسبانية خسرت جزءا من قدرتها على إغلاق الملف بمجرد التسمية، فيما بدأت السردية المغربية تستعيد موقعها داخل النقاش الدولي باعتبارها مطالبة سيادية تتصل باستكمال الوحدة الترابية، لا خلافا حدوديا عابرا.

