وطن 24 من الرباط
“رهان حكومي على “الزيادة غير المباشرة” لترميم القدرة الشرائية وسط تحديات التوازنات المالية ومفارقات تمس ذوي الدخل المحدود”
يعود ملف إصلاح الضريبة على الدخل في المغرب ليفرض نفسه بقوة على واجهة النقاش العمومي والاقتصادي، حاملا معه آمالا عريضة لمئات الآلاف من الأجراء والموظفين في القطاعين العام والخاص.
وتتزامن هذه التطلعات مع تساؤلات ملحة حول قدرة هذه الهندسة الجبائية المرتقبة على ترميم قدرة شرائية أنهكتها موجات التضخم المتتالية.
وفي إطار برنامجها الحكومي الممتد بين عامي 2026 و2031، اختارت الحكومة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، المراهنة على خيار الزيادة غير المباشرة في الأجور. وهو توجه يحظى بترحيب الدوائر الاقتصادية، كونه يضخ سيولة نقدية إضافية في جيوب الطبقة العاملة عبر تقليص الاقتطاعات الضريبية، من دون أن يحمل المقاولات والمؤسسات المشغلة أعباء إضافية في كتل الأجور قد تقوض تنافسيتها في ظرفية اقتصادية دقيقة.
فلسفة الإصلاح
وتقوم الفلسفة المعلنة لهذا الإصلاح على محورين أساسيين، يتمثل الأول في توسيع قاعدة المعفين كلياً من الضريبة، بينما ينصب الثاني على تبسيط السلم الضريبي عبر تقليص عدد الشرائح وخفض نسبها الهامشية.
وفي هذا الصدد، تتجه الحكومة نحو رفع سقف الدخل الصافي السنوي الخاضع للضريبة والمعفى منها، من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وهو ما يعني بلغة الأرقام انتقال عتبة الإعفاء الشهري من نحو 3333 درهماً إلى 5000 درهم.
بالموازاة مع ذلك، سيشهد السلم الجبائي تقليصاً للشرائح الخاضعة للاقتطاع من خمس شرائح إلى ثلاث فقط، مع اعتماد أسعار تصاعدية محددة في 10 و20 و30 في المئة.
ويأتي هذا التعديل مقارنة بسعر هامشي أقصى يبلغ حالياً 37 في المئة، والذي كان قد خُفض سابقاً من 38 في المئة إثر مراجعة دخلت حيز التنفيذ عام 2025.
خريطة الأجور وتفاوت المكاسب
ورغم أن هذه التعديلات تعيد عملياً رسم حدود الاقتطاع من المنبع، إلا أن أثرها لن يكون متطابقاً على كشوف رواتب المغاربة، إذ تظل مستويات الدخل وطبيعة التوزيع الهيكلي للشرائح الجديدة هي المحدد الرئيس للزيادة المنتظرة.
وتشير التقديرات الحسابية إلى أن المستفيدين المباشرين من توسيع قاعدة الإعفاء، وهم ذوو الدخول التي تتراوح بين 3333 و5000 درهم شهرياً، سيشهدون تحسناً تدريجياً في مداخيلهم.
فالأجير الذي يبلغ دخله الخاضع للضريبة 3500 درهم سيستفيد من زيادة تقارب 17 درهماً شهرياً، لترتفع إلى نحو 67 درهماً لمن يتقاضى 4000 درهم، وتصل إلى 117 درهماً عند مستوى 4500 درهم.
وتبلغ هذه المكاسب ذروتها بإلغاء الضريبة كلياً عند سقف 5000 درهم، ما يعني زيادة بـ 167 درهماً شهرياً، أي استرداد نحو 2000 درهم سنوياً لصالح الدخل المتاح للأجير.
أما الشريحة الأوسع من الطبقة المتوسطة والدخول العليا، فتتضاعف مكاسبها نتيجة الاستفادة المزدوجة من رفع سقف الإعفاء وخفض المعدلات الهامشية. وفي ظل عدم الحسم النهائي للحدود المالية الفاصلة بين الشرائح الثلاث، تقدم المحاكيات الافتراضية نطاقاً للزيادات المحتملة وفق سيناريوهين.
فبالنسبة لدخل شهري صاف خاضع للضريبة يبلغ 6000 درهم، تقدر الزيادة بنحو 267 درهماً، وتتسع دائرة المكاسب لتتراوح بين 467 و600 درهم شهرياً لمن يبلغ دخله 8000 درهم، بينما تقفز الزيادة إلى ما بين 567 و900 درهم لأصحاب الدخل المحدد في 10 آلاف درهم.
وتستمر الوتيرة التصاعدية لتمنح أصحاب الدخول البالغة 15 ألف درهم زيادة تتراوح بين 767 و1600 درهم، وصولاً إلى مكاسب تتأرجح بين 1117 و1950 درهماً شهرياً لمن يبلغ دخله 20 ألف درهم.
ويُعزى هذا التباين إلى اعتماد السيناريو الأول على معدل 10 في المئة حتى 80 ألف درهم سنوياً و20 في المئة حتى 100 ألف درهم، في حين يوسع السيناريو الثاني الشريحة الأولى لتشمل الدخول حتى 100 ألف درهم، والثانية حتى 180 ألف درهم.
الصافي والخام.. قراءة اقتصادية ضرورية
وتستوجب القراءة الاقتصادية الدقيقة لهذه الأرقام، الفصل التام بين الأجر الإجمالي الخام والدخل الصافي الخاضع للضريبة.
فالأجير الذي يتقاضى راتباً إجمالياً قدره 10 آلاف درهم، لا يؤدي الضريبة على هذا المبلغ كاملاً، إذ تُخصم منه اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتغطية الصحية الإجبارية، والمصاريف المهنية لتحديد الوعاء الضريبي، كما تُطبق التخفيضات المرتبطة بالأعباء العائلية على الضريبة المستحقة.
وعليه، فإن الوعاء الضريبي الفعلي يكون أدنى بكثير من الراتب الاسمي، مما يجعل الزيادة الفعلية تختلف من موظف لآخر حتى مع تطابق الأجور الإجمالية.
مفارقة اجتماعية وواقع سياسي
على الضفة الأخرى، يُفرز هذا المشروع مفارقة اجتماعية بنيوية، فالأجراء الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور، أو مَن يقل دخلهم الصافي الخاضع للضريبة عن 40 ألف درهم سنوياً، لن يلمسوا أي أثر مباشر لهذا الإصلاح، لكونهم غير خاضعين للضريبة أصلاً بموجب السلم الحالي، وهو ما يُبقي هذه الفئات الهشة في حاجة ماسة إلى رافعات اجتماعية بديلة لمواجهة كلفة المعيشة.
سياسياً، تأتي هذه التدابير محكومة بجدلية الوعود الانتخابية مقابل الواقع المالي. فحزب الأصالة والمعاصرة كان قد رفع سقف التوقعات خلال حملته الانتخابية، واعداً بإعفاء الدخول الخام التي تقل عن 15 ألف درهم شهرياً، وتسقيف المعدل الأقصى عند 20 في المئة.
غير أن إكراهات إدارة المالية العمومية فرضت مواءمة هذا التعهد ليُترجم إلى إعفاء عند سقف 60 ألف درهم سنوياً من الدخل الصافي، وسقف هامشي بنسبة 30 في المئة.
تنزيل مرحلي لاختبار الصمود
وأمام هاجس الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وعائدات الخزينة، اختارت الحكومة مسار التنفيذ المرحلي، حيث سيتم تقسيط هذا الإصلاح على مدى خمس سنوات تمتد بين عامي 2027 و2031، بناءً على تقييم دقيق لكلفته وانعكاساته، وهو التوجه الذي كرسته مصادقة مجلس الحكومة أخيراً على مشروع قانون المالية لسنة 2027.
وفي المحصلة، تظل الزيادات الموعودة خطوة مهمة نحو إعادة بعض التوازن لميزانيات الأسر المغربية، إلا أن أثرها الملموس سيبقى مرتهناً بتفاصيل التنزيل التدريجي، وبمدى قدرة هذا الدخل الإضافي على الصمود أمام تقلبات الأسعار في الأسواق.
وفي انتظار اتضاح التفاصيل التشريعية للإصلاح، يظل الرهان الأساسي مرتبطا بمدى انعكاس التخفيضات الضريبية على الأجور الصافية لمختلف الفئات، خاصة أن الأرقام المتداولة تستند إلى محاكاة حسابية لا إلى سلم ضريبي نهائي.
وسيكون تحديد الحدود المالية للشرائح الجديدة، ومواعيد دخولها حيز التنفيذ، عاملا حاسما في قياس الفارق بين التعهدات الحكومية والمكاسب التي سيجنيها الأجراء والموظفون على امتداد السنوات الخمس المقبلة.

