مددت إيطاليا وإسبانيا، الثلاثاء، العمل بالرقابة الاستثنائية على حركة المسافرين بين البلدين داخل فضاء شنغن، في أحدث امتداد للتدابير التي بدأت عقب موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة أواخر يوليو الماضي.
وقالت وزارة الداخلية الإيطالية إن الحكومة قررت تمديد الرقابة على الحدود الجوية والبحرية مع إسبانيا لمدة 15 يوما إضافية، مبررة القرار باستمرار ما وصفته بـ”مخاطر كبيرة على الأمن الداخلي”، إلى جانب وجود تهديد محتمل مرتبط بإمكان تسلل عناصر إرهابية.
وفي مدريد، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية بدورها استمرار عمليات التفتيش والمراقبة على المسافرين القادمين من إيطاليا، وقالت إن الظروف التي دفعت إلى فرض هذه الإجراءات ما زالت قائمة. وبحسب الوزارة، ستظل الرقابة على الرحلات الجوية والروابط البحرية القادمة من إيطاليا سارية حتى الثامن من أكتوبر المقبل.
ويعني القرار استمرار وضع استثنائي في حركة السفر بين دولتين تنتميان إلى منطقة شنغن، التي تقوم في الأصل على إلغاء الرقابة المنتظمة على الحدود الداخلية، مع السماح للدول بإعادتها بصورة مؤقتة عندما ترى أن النظام العام أو الأمن الداخلي يواجه تهديدا جديا.
ولا يتعلق الإجراء بتعليق عضوية إيطاليا أو إسبانيا في اتفاقية شنغن، وإنما بإعادة فرض عمليات مراقبة مؤقتة على حدود داخلية محددة. وتشمل الإجراءات الإيطالية الرحلات الجوية والبحرية القادمة من إسبانيا، بينما تطبق مدريد إجراءات مماثلة على المسافرين القادمين من إيطاليا.
وكانت روما أول من أعاد فرض المراقبة مع إسبانيا اعتبارا من الأول من غشت، بعد موجة غير مسبوقة من عمليات العبور نحو سبتة المحتلة في نهاية يوليوز.
وقالت الحكومة الإيطالية آنذاك إن الإجراء يهدف إلى منع انتقال مهاجرين دخلوا المدينة بصورة غير نظامية إلى الأراضي الإيطالية عبر حركة التنقل داخل فضاء شنغن.
وأثار القرار الإيطالي في حينه اعتراضا من مدريد، التي اعتبرت أن الخطوة لا تتناسب مع الوضع الميداني، قبل أن ترد في الثامن من غشت بإعادة فرض الرقابة على المسافرين القادمين من إيطاليا جوا وبحرا. وتحولت التدابير منذ ذلك الحين إلى إجراءات متبادلة جرى تمديدها أكثر من مرة.
وفي 31 أغسطس، أعلنت روما تمديدا سابقا لمدة 15 يوما، وقالت وزارة الداخلية الإيطالية إن العوامل التي دفعت إلى إعادة المراقبة ما زالت قائمة، رغم إقرارها في الوقت نفسه بوجود خطوات اتخذتها إسبانيا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي باتجاه إعادة الوضع في سبتة إلى طبيعته. وردت مدريد آنذاك بتمديد إجراءاتها هي الأخرى.
وتظهر بيانات المفوضية الأوروبية أن إيطاليا أخطرت مؤسسات الاتحاد بفرض رقابة على حدودها الجوية والبحرية مع إسبانيا بسبب ما وصفته باستمرار التهديد للنظام العام والأمن الداخلي وإدارة تدفقات الهجرة، مع الإشارة إلى خطر انتقال المهاجرين بصورة ثانوية داخل منطقة شنغن.
كما بررت إسبانيا إجراءاتها تجاه إيطاليا بمخاوف مرتبطة بالأمن الداخلي وإدارة تدفقات الهجرة والتحركات الثانوية لمواطني دول من خارج الاتحاد الأوروبي داخل فضاء شنغن.
وتعود الأزمة إلى نهاية يوليوز، عندما شهد محيط سبتة المحتلة تدفق أعداد كبيرة من الراغبين في العبور برا وبحرا.
وفي حصيلة أولية نشرتها السلطات الإسبانية، قالت وزارة الداخلية إن نحو 50 ألف شخص عبروا خلال الفترة الأولى من الأزمة، وإن نحو 48 ألفا و300 شخص كانوا قد عادوا بحلول مساء 31 يوليو.
ونقلت رويترز في تحديث لاحق في 31 غشت عن السلطات الإسبانية أن العدد الإجمالي للأشخاص الذين عبروا خلال ذروة الأحداث بلغ 72 ألفا على الأقل، بينما تراوح عدد من ظلوا في سبتة بعد أسابيع من الأزمة بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص.
وشهدت تلك الفترة انتشارا أمنيا مغربيا واسعا في الفنيدق والمناطق المحاذية لسبتة لمنع محاولات عبور إضافية، فيما تحدثت السلطات الإسبانية عن تعاون مع المغرب لتسريع عودة الأشخاص الذين دخلوا المدينة بصورة غير نظامية.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد انتقل إلى سبتة في ذروة الأزمة، معلنا تسريع عمليات الإعادة بالتعاون مع السلطات المغربية.
ورغم تراجع الضغط الميداني مقارنة بالأيام الأولى للأزمة، أبقت روما تقييمها الأمني عند مستوى يسمح باستمرار الإجراءات الاستثنائية.
وكان وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي قد قال قبل أيام إن بلاده ستعود إلى الوضع الطبيعي فور زوال الأسباب التي دفعت إلى إعادة الرقابة، مؤكدا أن إيطاليا لا ترغب في إبقاء الإجراءات يوما واحدا أكثر مما تراه ضروريا.
ويشير التمديد الجديد إلى أن التقدير الأمني الإيطالي لم يصل بعد إلى مستوى يسمح بإلغاء التدابير، فيما يكشف القرار الإسباني المقابل استمرار الخلاف حول طريقة التعامل مع تداعيات أزمة سبتة داخل فضاء شنغن، بعد أكثر من شهر ونصف على بدء الأزمة.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية تتجاوز حركة المسافرين بين البلدين، إذ تقوم منطقة شنغن على مبدأ حرية التنقل دون مراقبة منتظمة للحدود الداخلية.
وتسمح القواعد الأوروبية بإعادة المراقبة بصورة مؤقتة في الظروف الاستثنائية، لكنها تشترط ارتباطها بتهديد محدد للأمن أو النظام العام، وأن تظل محدودة في النطاق والمدة.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أدرجت بالفعل الإجراءات الإيطالية والإسبانية ضمن قائمة عمليات المراقبة المؤقتة المعاد فرضها داخل منطقة شنغن، إلى جانب إجراءات تنفذها دول أوروبية أخرى لأسباب تتراوح بين الهجرة غير النظامية والتهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة.

