وطن 24 من الرباط
أظهر استطلاع رسمي للرأي في إسبانيا أن غالبية واسعة من الإسبان تعتقد أن أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي ارتبطت بتدخل خارجي هدفه الإضرار بالعلاقات بين مدريد والرباط، في وقت لا تزال فيه خلفيات الأزمة موضع نقاش سياسي وأمني داخل إسبانيا.
وأفاد بارومتر خاص لمركز البحوث السوسيولوجية الإسباني “CIS” بأن 67.7 في المائة من المشاركين يعتقدون بوجود تدخل خارجي سعى إلى إحداث توتر بين إسبانيا والمغرب، مقابل 24.5 في المائة استبعدوا هذه الفرضية.
وشمل الاستطلاع 4042 شخصا، وأجري بين الأول والرابع من شتنبر، بعد نحو شهر من موجة العبور التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز وأعادت ملفات الهجرة والتعاون الأمني مع المغرب إلى واجهة النقاش الإسباني.
جهات خارجية
وبحسب النتائج التي نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية “إفي”، توزعت تقديرات المشاركين الذين رجحوا فرضية التدخل الخارجي بين عدد من الجهات.
وأشار 49.1 في المائة منهم إلى الولايات المتحدة، بينما تحدث 38.1 في المائة عن “قطاعات داخل المجتمع المغربي”، وأشار 35.4 في المائة إلى “قطاعات في إسرائيل”.
ولم تتضمن هذه الإجابات اتهاما مباشرا للدولة المغربية أو لمؤسساتها، وهو تفصيل يأتي في وقت شهدت فيه إسبانيا، منذ أحداث سبتة، سجالا حول الجهة التي تقف وراء الدعوات إلى التحرك الجماعي نحو المدينة.
وكانت دعوات مكثفة قد انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي قبيل أحداث 30 و31 يوليوز، وحثت آلاف الأشخاص على التوجه نحو المنطقة المحاذية لسبتة، قبل أن تتحول إلى موجة غير مسبوقة من محاولات العبور.
وأظهرت معطيات ظهرت لاحقا في إسبانيا أن أجهزة أمنية واستخباراتية كانت على علم بوجود دعوات رقمية للتحرك قبل بدء الأحداث، بينما تركز الجدل بعد ذلك على حجم التعبئة والجهات التي ساهمت في توسيع انتشارها.
تعاون ضروري
ولا تقف نتائج البارومتر عند تفسير خلفيات الأزمة، إذ أظهرت أيضا أن 86.3 في المائة من الإسبان يعتبرون التفاهم مع المغرب مهما أو مهما جدا لضمان أمن الحدود.
وتعكس هذه النسبة استمرار الوزن الذي يمنحه الرأي العام الإسباني للتعاون مع الرباط رغم التداعيات السياسية والأمنية التي خلفتها أحداث سبتة.
وطالب 82.2 في المائة من المشاركين بتعزيز مراقبة الحدود، فيما رأى 89.4 في المائة أن على الاتحاد الأوروبي الاضطلاع بدور أكبر في التعامل مع الملف.
وتضع هذه الأرقام التعاون مع المغرب في قلب المقاربة التي يفضلها الإسبان لمعالجة تداعيات الأزمة، إذ يقترن مطلب تشديد المراقبة الحدودية، بحسب نتائج الاستطلاع نفسه، بتأييد واسع لاستمرار التنسيق بين مدريد والرباط.
وتعد قضايا الهجرة ومراقبة التحركات عبر الضفة الجنوبية للمتوسط من أبرز مجالات التعاون الأمني بين البلدين، إلى جانب مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة.
وتعتمد إسبانيا منذ سنوات على التنسيق الميداني مع السلطات المغربية للحد من محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية المحتلتين أو عبور مضيق جبل طارق، وهو تعاون تعزز خلال السنوات الأخيرة مع تحسن العلاقات السياسية بين الحكومتين.
جدل إسباني
وجاء الاستطلاع وسط استمرار النقاش داخل إسبانيا بشأن أسباب موجة يوليوز، بعد أن أثارت أعداد المشاركين وحجم التعبئة تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأحداث نتاج تحرك عفوي أو نتيجة حملات منظمة جرى تضخيمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وكانت السلطات المغربية قد نشرت آلاف العناصر الأمنية في المناطق المحيطة بسبتة خلال ذروة الأزمة، وأوقفت مئات الأشخاص في عمليات استهدفت إحباط محاولات الاقتراب من المدينة، بالتزامن مع ملاحقة أشخاص يشتبه في تورطهم في التحريض الرقمي على الهجرة غير النظامية.
كما كثفت الرباط ومدريد اتصالاتهما الأمنية خلال الأزمة، في وقت استمرت فيه عمليات الانتشار والمراقبة على الجانب المغربي لمنع محاولات جديدة.
ويكتسب موقف الرأي العام الإسباني أهمية في هذا السياق، إذ يظهر البارومتر أن تفسير الأزمة باعتبارها نتيجة تدخل خارجي يحظى بتأييد أكبر من فرضية تحويلها إلى أزمة مباشرة في العلاقات بين المغرب وإسبانيا.
ولم يسأل “CIS” المشاركين بشكل مباشر عما إذا كانوا يحملون الحكومة المغربية مسؤولية الأحداث، كما لم يطرح سؤالا بشأن تقييمهم لتدبير الحكومة الإسبانية للأزمة.
لكن نتائج الأسئلة المتعلقة بالعلاقات الثنائية أظهرت أن التفاهم مع المغرب يحظى بتأييد واسع، وهو ما يحد من أثر الدعوات التي ظهرت داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية لإعادة النظر في مستوى التعاون مع الرباط بعد أحداث سبتة.
وتأتي النتائج في مرحلة حافظت فيها الحكومتان المغربية والإسبانية على قنوات التنسيق رغم الضغط الذي أحدثته موجة العبور، مع تأكيد مدريد في أكثر من مناسبة أهمية العلاقة مع المغرب بالنسبة للأمن والهجرة والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وبذلك يكشف البارومتر عن اتجاهين متوازيين داخل الرأي العام الإسباني بعد الأزمة، أولهما المطالبة بتشديد الرقابة على الحدود، وثانيهما التمسك بالتعاون مع المغرب والاعتقاد بأن محاولة الإضرار بهذه العلاقة ارتبطت، وفق غالبية المشاركين، بعوامل وتدخلات خارجية.

