داخل مقهى ذي طابع عصري في قلب العاصمة الرباط، لا يقتصر ضجيج التحضيرات لكأس إفريقيا للأمم 2025 على ترتيب الكراسي وضبط الشاشات فحسب، بل يمتد ليرسخ تحولا اجتماعيا صامتا وعميقا؛ إذ تستعد “المقاهي النسائية” لفتح أبوابها لاستقبال حماس كروي كان إلى وقت قريب حكرا على الفضاءات الرجالية.
وقبل أقل من 48 ساعة على صافرة البداية، يبدو المشهد مغايرا لما ألفه المغرب في عقود سابقة. فإلى جانب المقاهي التقليدية التي يغلب عليها الدخان والصخب الذكوري، برزت فضاءات “ناعمة” مخصصة للسيدات، تراهن على توفير تجربة تشجيع تراعي الخصوصية وتكسر الصورة النمطية للمشجع.
ولا يُعد هذا الإقبال النسائي على الفضاءات العامة لمتابعة كرة القدم وليد اللحظة، بل هو امتداد لـ”رجة اجتماعية” أحدثها مونديال قطر 2022.
فخلال تلك الملحمة التي وصل فيها “أسود الأطلس” إلى المربع الذهبي، سقط الحاجز النفسي الذي كان يمنع النساء من ارتياد المقاهي في أوقات المباريات، وتحول التشجيع النسوي من الصالونات المغلقة إلى قلب الشارع.
وتقول مسيرة مقهى نسائي في الدار البيضاء، وهي تشرف بدقة على تعليق الأعلام الوطنية وتجهيز مكبرات الصوت، إن النساء لم يعدن يكتفين بمتابعة النتائج، بل يردن “عيش التجربة بكل تفاصيلها العاطفية”.
وتضيف أن هذه الفضاءات توفر لهن بيئة آمنة للتعبير عن الفرح والانفعال بتلقائية، سواء كن رفقة صديقاتهن أو بوجود أمهاتهن وبناتهن، بعيدا عن المضايقات المحتملة في الأماكن المكتظة.
ومن منظور تحليلي، يرى مراقبون أن هذا التحول يعكس تغير مكانة المرأة في الفضاء العام المغربي، حيث أصبحت كرة القدم “جسرا” للاندماج الاجتماعي والترفيهي، ولم تعد مجرد رياضة، بل طقسا وطنيا يوحد الجنسين، وإن كان ذلك يتم أحيانا في فضاءات منفصلة تضمن الراحة لكل طرف.
وعلى الجانب الاقتصادي، أدرك المستثمرون بسرعة هذه الدينامية الجديدة. فالمطاعم والمقاهي، سواء المختلطة أو الخاصة، تتعامل مع الحدث بمنطق “اقتصاد العواطف”.
يؤكد مسير مطعم بالرباط أن الاستعدادات تجري وكأنها ليلة “نهائي”، مع فرق عمل مدعمة وقوائم طعام معدلة، مشيرا إلى أن الزبون في زمن “الكان” لا يشتري وجبة، بل يشتري “مكانا في الحدث”.
ولا تتوقف حمى الاستهلاك عند عتبات المقاهي، بل تتسلل إلى البيوت عبر الهواتف الذكية. فقد التقطت العلامات التجارية نبض “إنستغرام” والشبكات الاجتماعية، مطلقة ما يسمى بـ”صناديق يوم المباراة” (Match Day Boxes).
وتعكس هذه العلب التي تضم تشكيلات من المأكولات الخفيفة والحلويات بألوان المنتخب، رغبة فئات أخرى في نقل أجواء الملعب إلى صالون المنزل، في تكريس لطقوس احتفالية جديدة تمزج بين الحداثة والتقاليد العائلية.
وبينما تتسارع الدقائق نحو لحظة الانطلاق، يتحول المغرب تدريجيا إلى “ملعب مفتوح”. من المتاجر الكبرى التي كيفت رفوفها مع حاجيات السهر، إلى المطابخ التي تضاعف وتيرتها، وصولا إلى المقاهي النسائية التي تحجز مكانها في الخارطة الرياضية، يعيش البلد حالة استنفار قصوى.
إنه ترقب يتجاوز البعد الرياضي ليصبح لحظة تكثيف للمشاعر الوطنية، حيث ينتظر الجميع، رجالا ونساء، في المقاهي أو البيوت، تلك الصافرة الأولى التي ستطلق العنان لحماس تم احتباسه طويلا، في بطولة يريدها المغاربة استمرارا لأفراح 2022 وتأكيدا لزعامة كروية قارية.

