وطن 24 من الرباط
تسعى الأحزاب السياسية المغربية إلى جذب الناخبين الشباب إلى صناديق الاقتراع الأسبوع المقبل بوعود تتعلق بالشغل والسكن، في وقت تدخل فيه المملكة الانتخابات بعد سنوات من توسع صناعي واستثمارات كبيرة في الموانئ والسكك الحديدية والطاقة، لكنها ما زالت تواجه تحدي إيصال أثر هذا التحول إلى فئات أوسع من الشباب.
ورفعت الاستثمارات في الصناعة والبنية التحتية مستويات النشاط والدخل في عدد من المدن الكبرى، بينما ظلت البطالة وصعوبة الولوج إلى سوق العمل تضغطان على الشباب، وهو ما جعل التشغيل والقدرة الشرائية من أبرز الملفات المطروحة في الحملة.
ومن المقرر إجراء الانتخابات في 23 شتنبر، وهي الرابعة منذ احتجاجات 2011 والإصلاحات الدستورية التي وسعت صلاحيات البرلمان والحكومة، مع استمرار المؤسسة الملكية في الاضطلاع بالدور المركزي في تحديد التوجهات الاستراتيجية للدولة.
وقاد حزب العدالة والتنمية الحكومة لنحو عقد قبل أن يتعرض لهزيمة كبيرة في انتخابات 2021، ليتقدم بعد ذلك التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة داخل الأغلبية الحكومية الحالية.
ووضع الحزبان تشغيل الشباب في مقدمة حملتيهما، وتعهد كل منهما بإحداث نحو مليون فرصة عمل خلال الولاية البرلمانية المقبلة.
وقال محمد شوكي، رئيس التجمع الوطني للأحرار، خلال تقديم تدابير البرنامج الانتخابي للحزب في 8 شتنبر، إن التشغيل يمثل “أحد المحاور المركزية”، موضحا أن الحزب يستهدف إحداث 300 ألف منصب في السياحة والخدمات والثقافة والترفيه، و250 ألفا في الرقمنة، و150 ألفا في الفلاحة، إلى جانب فرص يتوقعها في الصناعة والأوراش الكبرى.
كما يقدمان استثمارات في البنية التحتية تناهز 20 مليار دولار قبل كأس العالم 2030، الذي يستضيفه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، باعتبارها رافعة إضافية للنشاط الاقتصادي، فيما بثت الأحزاب تجمعاتها الانتخابية عبر وسائل التواصل سعيا إلى الوصول إلى الناخبين الأصغر سنا.
ويضع برنامج الأصالة والمعاصرة السكن والدخل المنتظم والعمل ضمن أولويات الشباب، ويرفض تصوير مطالبهم باعتبارها بحثا عن حياة سهلة.
وقالت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، إن الحزب لا يقدم برنامجه باعتباره مجموعة وعود عامة، وإنما “عقد لخمس سنوات” يحدد ما يمكن إنجازه وكيفية تمويله والنتائج المنتظرة منه.
وفي طنجة، قالت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للحزب، في 16 شتنبر إن قيمة الالتزامات تظل مرتبطة بقدرة الحزب على ترجمتها إلى واقع عملي.
وقال محللون إن صعوبة استعادة اهتمام الشباب بالعمل الحزبي برزت بوضوح خلال احتجاجات قادتها فئات شابة العام الماضي، ثم خلال محاولة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة في يوليوز.
وقال محمد مصباح، رئيس المعهد المغربي لتحليل السياسات، إن محاولة العبور عكست في قراءته شكلا من أشكال الاحتجاج الاجتماعي والابتعاد عن السياسة، وهي قراءة للحدث قدمها باحث وليست توصيفا رسميا لدوافع المشاركين فيه.
شباب أقل ثقة
ويمثل المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة نحو 12% من السكان، لكنهم لا يشكلون سوى نحو 3% من المسجلين في اللوائح الانتخابية، وفق أرقام رسمية أوردتها رويترز.
وأظهر استطلاع نشره “أفروباروميتر” في مارس أن نحو ثلث المغاربة بين 18 و35 سنة يعبرون عن الثقة في البرلمان أو رئيس الحكومة أو الأحزاب السياسية.
ويقول شبان إن ضعف إقبالهم على الانتخابات يرتبط أيضا بانطباع لديهم بأن تغيير موازين القوى بين الأحزاب لا ينتج دائما تحولات يلمسونها مباشرة في السياسات أو في حياتهم اليومية.
وقال الطالب الجامعي محمد العزاوي لرويترز إنه لا يعتزم التصويت، مضيفا أن كثيرا من الشباب يرون الوجوه نفسها تعود في كل مرة بوعود فقدوا الثقة في جزء كبير منها.
وفي شمال المملكة، قال نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووكيل لائحته بدائرة العرائش، خلال لقاء انتخابي بريصانة الشمالية إن المشاركة في الانتخابات “مسؤولية وقرار”، وربط مشروع حزبه بتقوية الطبقة الوسطى وتمكين الشباب وتحسين فرص الارتقاء الاجتماعي.
ومن جهتها، قالت أمينة ماء العينين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، خلال تقديم برنامج الحزب إن أحد مرتكزاته هو تحقيق “كرامة المواطن ومصداقية الاختيار الديمقراطي”، في وقت يسعى فيه الحزب إلى إعادة بناء حضوره بعد تراجعه الكبير في انتخابات 2021.
وفي النظام السياسي المغربي، تحتفظ المؤسسة الملكية بدور أساسي في تحديد الخيارات الاستراتيجية للدولة، بما في ذلك عدد من الملفات الكبرى، بينما تدير الحكومة والبرلمان السياسات العمومية والتشريع والميزانيات.
وقال الاقتصادي رشيد أوراز إن ذلك يجعل التنافس بين الأحزاب يتركز بدرجة أكبر على كيفية تحقيق أهداف النموذج التنموي وتنفيذها، أكثر من الخلاف حول الاتجاه العام للاختيارات الاقتصادية.
ويرى مصباح أن هذا التوزيع للأدوار يجعل الحكومة أكثر تعرضا للمساءلة السياسية عندما تتعثر السياسات، فيما ترتبط المشاريع الكبرى والتوجهات طويلة المدى بصورة أكبر بالمؤسسة الملكية.
أهداف اقتصادية طموحة
وفي السنوات الأخيرة، بنت السلطات جزءا كبيرا من رهاناتها على توسيع قاعدة الاقتصاد وجذب الاستثمار.
ويعد المغرب من أكثر الاقتصادات الإفريقية تنوعا وتصنيعا، بينما تحدد خططه الاقتصادية أهدافا مرتفعة للنمو والدخل خلال العقد المقبل.
ويستهدف “النموذج التنموي الجديد”، الذي أطلق قبل نحو 5 سنوات، مضاعفة نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2035، في وقت تدفقت فيه استثمارات بمليارات الدولارات إلى الموانئ العميقة والفوسفاط والطاقة الخضراء وخطوط السكك الحديدية.
كما رسخ المغرب موقعه في صناعة السيارات ووسع بنيته اللوجستية ومشاريع الطاقة، وهي قطاعات جعلت الاقتصاد أكثر اندماجا في سلاسل الإنتاج والتجارة الدولية.
لكن الأثر الاجتماعي لهذه الاستثمارات لم يتحقق بالوتيرة نفسها لدى جميع الفئات.
وتدور بطالة الشباب حول 27%، وهي أعلى من باقي الفئات العمرية، فيما يوجد نحو واحد من كل 3 شبان خارج العمل والدراسة والتكوين، بحسب الإحصاءات الرسمية التي استندت إليها رويترز.
وانتقد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، خلال تجمع بجرادة في 5 شتنبر، ما اعتبره تعثرا في وعود الاستثمار وخلق فرص الشغل، وقال إن ما تحقق من بنيات وخدمات لم يكن كافيا لمعالجة مشاكل الدخل والعمل، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب. وكان الحزب قد وضع، عند تقديم برنامجه، إحداث فرص الشغل وإعادة بناء الطبقة الوسطى ضمن أولوياته.
وأشار بنك المغرب في تقرير حديث إلى وجود فجوة بين الأداء الاقتصادي كما تقيسه المؤشرات وبين الطريقة التي ينظر بها المواطنون إلى أوضاعهم، معتبرا أن استمرار البطالة من العوامل التي تغذي هذه الفجوة.
وتلتقي هذه الملاحظة مع خطاب للاتحاد الاشتراكي، إذ قالت خولة لشكر، عضو لجنة إعداد برنامجه الانتخابي، إن نجاح الاقتصاد لا ينبغي قياسه بمؤشرات النمو والتضخم والتوازنات وحدها، بل بما يتركه النمو من أثر على “الدخل والشغل والقدرة الشرائية ومستوى المعيشة”.
وهذه هي المسافة التي تحاول الأحزاب تقليصها في انتخابات شتنبر، بين اقتصاد وسع قدراته الصناعية واستقطب استثمارات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وشباب ينتظر أن تتحول هذه المكاسب بصورة أسرع إلى وظائف ودخل وفرص أوسع.

