فتح قرار الحكومة الأردنية بحظر جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها “جمعية غير مشروعة” فصلا جديدا في مسار المواجهة مع تنظيمات الإسلام السياسي في المنطقة، في خطوة قد تعيد خلط الأوراق في مشهد عربي مشحون بالتحولات، بينما يبرز المغرب كاستثناء مؤسسي يعكس نهجا أكثر مرونة في تدبير علاقة الدولة بالتيارات الإسلامية.
وقال وزير الداخلية الأردني مازن الفراية إن القرار يندرج ضمن احترام أحكام القانون، مشيرا إلى أن الدولة ستباشر فورا مصادرة ممتلكات الجماعة، التي فقدت منذ سنوات وضعها القانوني بعد سلسلة من الإجراءات القضائية والتنظيمية، في سياق تصاعد التوتر بينها وبين السلطات الرسمية.
وفي حين التزمت معظم العواصم العربية الصمت إزاء القرار الأردني، فإن المراقبين يرون فيه إشارة قوية إلى أن النموذج الأردني قد يُستعاد كخيار بالنسبة لدول تبحث عن مخارج لمعادلة معقدة بين استقرار الدولة واحتواء الإسلاميين.
إلا أن السياق المغربي يقدّم قراءة مغايرة لهذه المعادلة، تقوم على سياسة “الترويض المؤسساتي” بدل المواجهة المباشرة.
فالمغرب، الذي سمح لحزب العدالة والتنمية، المحسوب على المرجعية الإخوانية، بالمشاركة في الانتخابات وتولي رئاسة الحكومة لعشر سنوات، لم يندفع إلى أي خطوات قانونية أو سياسية لعزله، حتى بعد الهزيمة المدوية التي مُني بها الحزب في انتخابات 2021. فقد اعتُبر تراجعه شعبيا لا مؤسساتيا، ولم يُستثمر كذريعة لإخراجه من الحقل السياسي.
وتشير تحليلات سياسية مغربية إلى أن هذه المقاربة ليست نابعة من تساهل أيديولوجي، بقدر ما هي تعبير عن استراتيجية دولة تهدف إلى تجفيف منابع التطرّف من الداخل، عبر منح الإسلام السياسي مساحة محسوبة ضمن المؤسسات، عوض دفعه إلى الهامش الراديكالي.
ويتعزز هذا التوجه في المغرب بوجود جماعة العدل والإحسان، أكبر تنظيم غير معترف به قانونيا، لكنه غير مستهدف بحملات أمنية منهجية.
فالدولة، رغم خلافها الجذري مع خطاب الجماعة، تعتمد سياسة “التحجيم الصامت”، عبر منع أنشطتها أو الحد من تحركات أعضائها، دون أن تدخل في صدام مفتوح قد يمنحها شرعية نضالية كانت تسعى إليها منذ عقود.
ويجد هذا التمايز في المقاربة المغربية تفسيره أيضاً في خصوصية التوازن السياسي والديني بالمملكة، حيث تضطلع المؤسسة الملكية، باعتبارها المرجعية الدينية والسياسية العليا، بدور أساسي في ضبط إيقاع التعددية وضمان استقرار الحقل الديني.
في المقابل، تعكس تجربة الأردن نموذجا أكثر حدة في التعامل مع الإخوان، خصوصا بعد أن أصبح واضحا أن محاولات احتواء الجماعة عبر منحها واجهات سياسية، كما في حالة حزب جبهة العمل الإسلامي، لم تؤدِّ إلى تغيير جوهري في بنيتها المرجعية أو طموحاتها السياسية.
ويرى محللون أن القرار الأردني، رغم أنه يحظى بدعم داخل البرلمان وبعض الأوساط الشعبية، قد يفتح الباب أمام جدل قانوني وسياسي داخلي، خاصة مع احتمال الدفع باتجاه حل حزب جبهة العمل الإسلامي، ما يثير تساؤلات حول حدود التعددية الحزبية وقدرة النظام على استيعاب المعارضة المؤطرة.
وفي السياق الإقليمي، تُذكر خطوة الأردن بالإجراءات التي اتخذتها مصر منذ 2013، والسعودية والإمارات لاحقا، عندما صنفت جماعة الإخوان تنظيماً إرهابيا.
لكن الفارق أن هذه الدول كانت تتحرك ضمن سياقات أمنية صدامية، فيما يأتي القرار الأردني في إطار قانوني-إداري، يستند إلى مسارات قضائية وتكييفات تشريعية.
وإزاء غياب ردود فعل رسمية من دول عربية وإسلامية أخرى، يبدو أن العديد من الأنظمة تنتظر نتائج هذا القرار على استقرار الأردن الداخلي قبل التفكير في خطوات مماثلة. فحظر الجماعة، رغم رمزيته، ليس معزولا عن مآلاته الأمنية والسياسية.
من جانبه، يواصل المغرب سياسة الانتقال الآمن بعيدا عن ازدواجية الشرعية بين الفاعلين الإسلاميين والدولة، مستفيدا من تجربة عقود في تطويع الخطاب الإسلامي داخل الفضاء العمومي، وتكريس نموذج ديني وسطي تُشرف عليه المؤسسة الملكية ومجالس العلماء.
وتُظهر المقارنة بين التجربتين الأردنية والمغربية أن حظر التنظيمات الإسلامية لا يشكل حلا أوتوماتيكيا بقدر ما هو خيار سياسي له كلفة.
ففي حين تراهن عمان على الحسم، يراهن المغرب على التآكل البطيء عبر مؤسسات الدولة، ودمج المعارضة الإسلامية ضمن اللعبة السياسية بقواعد الدولة، لا الجماعة.
ويظل السؤال مفتوحاً: هل تتحول المقاربة الأردنية إلى نموذج يُحتذى، أم أن التجربة المغربية ستستمر كصيغة بديلة أثبتت إلى حد الآن قدرتها على احتواء الإسلام السياسي دون تفجير التوازنات؟

