وسط تراجع في وتيرة المعاملات العقارية، قررت مجموعة البنك الشعبي تمديد عرضها المتعلق بتخفيض رسوم التسجيل العقاري إلى غاية 30 شتنبر، ضمن توجه يستهدف تحفيز دينامية انتقائية داخل شريحة الزبناء المؤهلين للتمويل السكني، دون تغيير في الإطار العام لشروط الإقراض المعتمدة.
وتشير المعطيات الصادرة عن بنك المغرب إلى أن السوق العقارية سجلت خلال الربع الثاني من سنة 2025 تراجعا في عدد المعاملات بنسبة 19 في المئة على الصعيد الوطني، مقابل استقرار نسبي في الأسعار لم تتجاوز نسبة تغيّره 0.5 في المئة، ما يعكس استمرار حالة ترقّب لدى شريحة واسعة من الأسر المغربية.
آلية ترويجية مدروسة ومحفزة
ويشمل هذا التخفيض نسبة 50 في المئة من رسوم التسجيل العقاري، ويهم العقود التي تُبرم في الفترة الممتدة إلى غاية 30 شتنبر، سواء عبر شبكة الوكالات أو من خلال المنصة الرقمية للبنك. حيث يغطي هذا الامتياز كل فئات التمويل العقاري، بما في ذلك القروض المتعلقة بالسكن الرئيسي أو الاستثماري، شرط استيفاء المعايير المقررة من قبل المؤسسة، دون أن يتطلب شروطًا إضافية أو مستندات استثنائية خارج المساطر المعتمدة.
ويأتي هذا التحفيز في سياق مواكبة تطور سلوك الزبناء، الذين أضحوا أكثر ميلًا إلى المقارنة بين العروض ومراعاة التكلفة الإجمالية للتمويل، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار السكن وتنامي متطلبات المساهمة الذاتية.
وتُقدّر رسوم التسجيل العقاري قانونيًا بـ4 في المئة من قيمة العقد، ما يجعل تخفيضها بالنصف إجراءً ذا أثر مباشر على الكلفة الابتدائية المرتبطة بشراء السكن، خاصة بالنسبة للفئات التي تمتلك تغطية جزئية فقط لمصاريف العقد.
من جهة أخرى، تنسجم هذه الخطوة مع توجه المجموعة إلى تعزيز الرقمنة في مسارات طلب التمويل، حيث يتيح الموقع الرسمي والمنصة الرقمية للبنك الشعبي تقديم الطلبات، تحميل الوثائق، ومتابعة مراحل المعالجة دون الحاجة إلى التنقل، وهو ما اختبره أكثر من 80 ألف زبون خلال العامين الأخيرين، بحسب معطيات رسمية. كما توفر المجموعة خدمة التوجيه عن بعد، من خلال مستشارين رقميين مخصصين لمواكبة ملفات القروض السكنية، في تجربة تُراعي مستلزمات التبسيط والسرعة وتقليص الهدر الزمني.
سياق اقتصادي يتطلب مرونة
وتجعل العروض البنكية الموجهة للسكن إحدى أبرز أدوات إعادة الثقة إلى السوق، خصوصا حين تُصاغ ضمن رؤية مؤسساتية تحترم مبدأ التوازن بين المخاطر والفرص. وتشير مؤشرات التمويل العقاري إلى أن معدلات الفائدة بقيت مستقرة في حدود 4.68 في المئة خلال نفس الفترة، بما يضمن وضوح الرؤية للمتعاملين الجدد في السوق، ويمنحهم إمكانية احتساب القسط الشهري بدقة أكبر في ضوء المتغيرات الراهنة.
ويظهر من تحليل بنية القروض أن فئة السكن المتوسط بمواصفات عقلانية تستقطب الحصة الأكبر من الملفات المقبولة، تليها فئة السكن الاقتصادي، في حين تميل نسبة أقل إلى تمويل السكن الراقي. وتحرص المجموعة البنكية على ملاءمة عروضها مع هذا الواقع، في إطار مقاربة تجارية قائمة على استهداف ذكي وتدبير محكم للمخاطر، بما يعزز موقعها التنافسي ويعكس استجابتها لتغيرات البنية السكانية.
وتبقى قدرة المؤسسات البنكية على إبداع صيغ تمويلية مرنة مرتبطة أيضا بتوافر معطيات دقيقة حول سلوك السوق، وهو ما يعززه التعاون المنتظم بين البنك الشعبي والمؤسسات المختصة، من أجل تحسين الاستهداف وتعزيز الأدوات التحليلية للملفات المعروضة للتمويل، خاصة في ما يتعلق بالمناطق الحضرية الجديدة ذات النمو السكاني السريع.
نتائج مالية تعزز الجاهزية
وتُظهر النتائج المالية قدرة المجموعة على التحرك ضمن هوامش آمنة، إذ بلغ الناتج البنكي الصافي 13.9 مليار درهم خلال النصف الأول من 2025، بنسبة نمو قدرها 8.4 في المئة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، فيما ارتفعت الأرباح الصافية إلى 1.3 مليار درهم، بزيادة بلغت 19 في المئة، ما يعكس قدرة المؤسسة على الاستمرار في دعم دينامية السوق دون المساس بتوازناتها الداخلية.
هذا الأداء يمنح المؤسسة مرونة أكبر في إطلاق مبادرات استباقية، تواكب تطورات السوق وتؤمّن التفاعل الإيجابي مع الطلب المتحول. وتستند هذه الاستراتيجية إلى منظومة صارمة لضبط المخاطر، تعتمد على التصنيف الداخلي للملفات، ومراعاة مؤشرات الحذر المعتمدة من طرف بنك المغرب، خاصة في ظل تركيز متزايد على التمويلات ذات الطابع الاجتماعي أو الموجهة للفئات الناشئة في المدن الكبرى.
وتعزز هذه الدينامية من توجه المجموعة نحو تطوير عرض متكامل لا يقتصر على التمويل، بل يشمل أيضا مواكبة الزبون في اختيار العقار المناسب، من خلال شراكات مع مهنيي القطاع، ومنصات رقمية تتيح التفاعل السلس والآني. ويُنتظر أن تشكل هذه المقاربة رافعة إضافية للرفع من نسب إنجاز العقود خلال الفصول المقبلة، خاصة في ظل تعافي بعض المؤشرات المرتبطة بالقطاع العقاري والطلب النهائي.
في هذا السياق، يبقى تمديد عرض تخفيض رسوم التسجيل تحركًا محسوبًا ضمن بيئة تنافسية ديناميكية، يعكس رغبة المؤسسة في الحفاظ على زخم تجاري متوازن، وتوسيع قاعدة الاستفادة من التمويل السكني بشروط محفزة. كما يُقرأ أيضًا كإشارة إلى يقظة مؤسساتية في التعاطي مع التحولات السريعة للسوق، دون الإخلال بجودة التمويلات أو استقرار المؤشرات.
في المحصلة، تُظهر هذه الخطوة اتجاها استراتيجيًا نحو عقلنة العروض التحفيزية وربطها بالتحول الرقمي والمهنية التسويقية، بما يُعزز صورة المجموعة كشريك موثوق في إنعاش القطاع العقاري، ويؤكد موقعها كلاعب مركزي في تمويل السكن المغربي.


