وطن 24 من الرباط
اختار الجيش الأمريكي منطقة طنطان بجنوب المغرب لإجراء تجارب على ما يصل إلى 15 نظاما وحلا تكنولوجيا لمواجهة الطائرات المسيّرة، في إطار برنامج عسكري جديد يستهدف تسريع تطوير وسائل الدفاع ضد التهديدات الجوية، واختصار المدة اللازمة لنقل التجهيزات من مرحلة الاختبار إلى الوحدات القتالية إلى 180 يوما.
وكشفت قيادة القوات البرية الأمريكية المكلفة بجنوب أوروبا وإفريقيا، في تقرير نشره الموقع الرسمي للجيش الأمريكي الجمعة، أن التجارب ستنطلق خلال فبراير ومارس 2027، قبل إخضاع الأنظمة المختارة لتقييم عملياتي خلال أبريل ومايو من العام نفسه، بالتزامن مع مناورات “الأسد الإفريقي”، التي ينظمها الجيش الأمريكي سنويا بمشاركة القوات المسلحة الملكية المغربية وجيوش دول أخرى.
ويمثل اختيار المغرب لاستضافة أول تجربة ضمن هذا البرنامج تطورا في طبيعة الأنشطة العسكرية الأمريكية التي تحتضنها المملكة، بعدما أصبحت ميادين التدريب في جنوبها تستقبل، إلى جانب التدريبات القتالية المشتركة، تجارب لتطوير أنظمة عسكرية جديدة يفترض أن يستفيد منها الجيش الأمريكي في عملياته المستقبلية.
ووفقا للقيادة الأمريكية، فإن المشروع يركز على سد ثغرات في حماية مراكز القيادة والمواقع العسكرية التي تنشئها القوات عند انتشارها في مناطق العمليات، خصوصا أمام الطائرات المسيّرة الصغيرة المصنفة ضمن المجموعات الثلاث الأولى، والتي تتطلب وسائل للكشف المبكر والاعتراض تختلف عن أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.
وتعتزم المؤسسة العسكرية الأمريكية اختبار منظومات تجمع بين وسائل رصد المسيّرات وتتبعها واعتراضها، سواء باستخدام أسلحة مادية أو تقنيات تعطيل غير حركية، إلى جانب وسائل للحماية السلبية من الهجمات الجوية.
وقالت الرائدة كاتلين فانواي، ممثلة المديرية الأمريكية للاقتناء التكتيكي المتقدم لدى القيادة العسكرية بإفريقيا، إن التجارب ستشمل خمس فئات من القدرات، تتصدرها منظومة دفاعية متكاملة قابلة للنقل السريع، وأربع فئات أخرى تتعلق بالكشف عن المسيّرات واعتراضها وتعطيلها والحماية من آثارها.
وأوضحت أن الأنظمة المختارة ستخضع لعملية دمج مع منظومة القيادة والسيطرة الأمريكية المخصصة لمكافحة الطائرات غير المأهولة، بما يسمح بربط وسائل الكشف بأجهزة الاستجابة العسكرية.
ويأتي الإعلان عن هذه التجارب في وقت يتزايد فيه اعتماد الجيوش على الطائرات الصغيرة غير المأهولة في الاستطلاع والهجمات، وهو تحول وضع فعالية الدفاعات الجوية وكلفة اعتراض الأهداف منخفضة الثمن أمام تحديات جديدة، ودفع المؤسسات العسكرية إلى البحث عن تجهيزات أسرع في الانتشار وأكثر ملاءمة لحماية القوات البرية.
لكن الرهان الأمريكي لا ينحصر في نوعية الأنظمة التي ستخضع للاختبار في المغرب، بل يمتد إلى تغيير الطريقة التي يحصل بها الجيش على التكنولوجيا الجديدة.
وفي هذا الصدد، أقر العقيد كريستوفر هيل، مدير المديرية الأمريكية للاقتناء التكتيكي المتقدم، بأن القيادات العسكرية كانت تحدد منذ سنوات أولوياتها والثغرات التي تواجهها في الميدان، لكنها لم تكن تتوفر على صلاحيات الاقتناء والموارد المالية اللازمة للبحث والتطوير والاختبار والتقييم.
وقال هيل إن المديرية الجديدة تعمل على ربط الاحتياجات العاجلة للوحدات العسكرية بالجهات المسؤولة عن اقتناء المعدات وتطويرها، بما يسمح بتجاوز الإجراءات التي تؤخر وصول الحلول التقنية إلى الجنود.
وكان الجيش الأمريكي قد أوفد، خلال صيف 2026، فريقا تابعا لهذه المديرية للعمل مع القيادة المكلفة بإفريقيا، بهدف تحديد المتطلبات العسكرية العاجلة وإعداد برنامج لاختبار الأنظمة القادرة على الاستجابة لها.
وتقول القيادة الأمريكية إن اختيار إفريقيا لإجراء هذه التجارب يستند إلى توفر ظروف ميدانية يصعب جمعها في مراكز التدريب بالولايات المتحدة وأوروبا، خصوصا اتساع المجال الجوي، وانخفاض ازدحام الترددات اللاسلكية، وتنوع التضاريس التي تسمح باختبار المعدات خارج البيئات التقنية المعتادة.
وتوفر منطقة طنطان، التي تحتضن سنويا تدريبات عسكرية متعددة الجنسيات، موقعا لهذه الاختبارات، بعدما شهدت خلال الأشهر الماضية تجارب أمريكية على مركبات أرضية غير مأهولة وأنظمة روبوتية وطائرات مسيّرة وتجهيزات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
فخلال مناورات “الأسد الإفريقي 2026″، التي جرت بين 20 أبريل و8 مايو الماضيين، اختبرت وحدات من الجيش الأمريكي في ميدان كاب درعة قرب طنطان مركبات ذاتية القيادة ووسائل قتالية يجري التحكم فيها عن بعد، في تدريبات استهدفت تقليص المخاطر التي يتعرض لها الجنود وتحسين سرعة اكتشاف الأهداف والتعامل معها.
وشهدت المناورات مشاركة أكثر من 5600 عسكري ومدني من أزيد من 40 دولة، فيما أعلنت القيادة الأمريكية أن الأنشطة المنظمة بالمغرب وحده شملت نحو 5000 مشارك وأكثر من 30 شركة ومؤسسة أمريكية متخصصة في التكنولوجيا العسكرية.
كما احتضنت مدينة أكادير، خلال المناورات نفسها، تدريبا متعدد الجنسيات على تشغيل الطائرات المسيّرة، شارك فيه عسكريون مغاربة وأمريكيون وأفارقة، وشمل تقنيات الطيران والاستطلاع وتحديد الأهداف.
وتكشف هذه الأنشطة عن اتساع الحضور التكنولوجي في التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن، بعد سنوات ارتكزت خلالها مناورات “الأسد الإفريقي” بصورة رئيسية على التدريبات البرية والجوية والبحرية وتنسيق العمليات بين القوات المشاركة.
غير أن البرنامج المرتقب في 2027 يختلف عن المناورات التقليدية في ارتباطه المباشر بإجراءات تطوير واقتناء المعدات العسكرية الأمريكية، إذ تخطط الجهات المشرفة لتقييم الحلول التي ستجتاز الاختبارات في طنطان تمهيدا لاعتماد ما يثبت فعاليته منها لدى وحدات الجيش.
ولم يكشف الإعلان الأمريكي عن الشركات المرشحة لتقديم الأنظمة الجديدة أو الميزانية المخصصة للمشروع، كما لم يحدد طبيعة مشاركة القوات المسلحة المغربية في هذه التجارب أو ما إذا كانت ستستفيد مستقبلا من التجهيزات التي سيجري اختبارها على أراضي المملكة.
وبالنسبة إلى القيادة العسكرية الأمريكية، فإن نتائج التجارب المقبلة ستشكل اختبارا لبرنامج تسريع اقتناء المعدات، ومدى قدرته على تحويل الاحتياجات التي تحددها القوات في الميدان إلى تجهيزات تدخل الخدمة خلال أشهر، بدلا من دورات التطوير الطويلة.
أما على مستوى التعاون العسكري مع المغرب، فإن احتضان طنطان لهذه الاختبارات يضيف إلى مناورات “الأسد الإفريقي” وظيفة جديدة ترتبط بتقييم تكنولوجيا قتالية مرشحة للاعتماد داخل الجيش الأمريكي، في ظل التغيرات المتسارعة التي تفرضها الطائرات غير المأهولة على العمليات العسكرية.

