وطن 24 من الرباط
اختار المغرب أن يمنح الذكاء الاصطناعي موقعا متقدما في هيكل حكومته الجديدة، بعدما كان تدبير هذا المجال يجري ضمن اختصاصات قطاع الانتقال الرقمي، في تحول يحمل دلالات تتجاوز إعادة توزيع الحقائب الوزارية إلى طبيعة الرهانات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعتزم المملكة خوضها خلال السنوات المقبلة.
فالتشكيلة الحكومية التي عينها العاهل المغربي الملك محمد السادس، الجمعة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، تضمنت للمرة الأولى وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي بصورة صريحة، وأسندت حقيبتها إلى أحمد رحو، الرئيس السابق لمجلس المنافسة، لتجمع تحت سلطته التحول الرقمي وإصلاح الإدارة، مع تعيين عائشة كلاع وزيرة منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة.
ويكتسب القرار أهميته من توقيته، إذ يأتي بعد سنوات من الاستثمارات المغربية في البنيات التكنولوجية والخدمات الرقمية، وفي مرحلة أصبحت فيها المنافسة على امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي جزءا من التنافس الاقتصادي بين الدول، ولم تعد مقتصرة على الشركات المتخصصة ومراكز البحث العلمي.
وبانتقال القطاع من مستوى وزارة منتدبة إلى وزارة قائمة بذاتها، لم تعد الرقمنة وحدها عنوان السياسة الحكومية في هذا المجال، بل أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه موضوعا لاختصاص وزاري مباشر، بما يحمله ذلك من مسؤولية سياسية عن تطوير الصناعة التكنولوجية وتنسيق مشاريعها وربط نتائجها بالاقتصاد الوطني.
وتكشف هذه الهندسة الحكومية عن توجه لإدراج الذكاء الاصطناعي ضمن أدوات السياسة الاقتصادية، بعدما انصرفت الجهود السابقة بدرجة كبيرة إلى تحديث الخدمات الإدارية وتطوير البنية الرقمية وتشجيع المقاولات الناشئة.
فالمغرب الذي نجح خلال العقدين الماضيين في استقطاب صناعات السيارات والطيران وتطوير منظومات للتصدير، يواجه اليوم تحديا مختلفا يتعلق بموقعه داخل الاقتصاد القائم على البيانات والخوارزميات، حيث تتحدد القيمة المضافة بقدرة الدول على إنتاج التكنولوجيا والتحكم فيها، وليس فقط بتوفير البنيات اللازمة لاستقبال الاستثمارات الأجنبية.
ويبدو هذا البعد الاقتصادي حاضرا في اختيار أحمد رحو لقيادة الوزارة الجديدة. فالوزير الذي تولى رئاسة مجلس المنافسة منذ عام 2021، يأتي من مسار مهني يجمع بين التكوين الهندسي في المعلوميات وإدارة المؤسسات الاقتصادية والمالية، قبل الانتقال إلى الإشراف على هيئة تعنى بتنظيم المنافسة داخل الأسواق.
وتكتسب هذه التجربة دلالة خاصة في قطاع تهيمن عليه مجموعات تكنولوجية دولية تمتلك القدرات الحاسوبية وقواعد البيانات والنماذج الأكثر انتشارا، بينما تواجه الدول النامية صعوبة في تطوير منظومات تكنولوجية مستقلة وقادرة على المنافسة.
ولذلك فإن أحد أبرز الرهانات التي تنتظر الوزارة الجديدة يتمثل في قدرة المغرب على تجاوز موقع المستهلك للحلول الأجنبية، وتطوير صناعة محلية تستفيد منها المقاولات الوطنية وتفتح أمامها فرصا في الأسواق الإفريقية والأوروبية.
وكانت السلطات المغربية قد أعلنت، في سبتمبر الماضي، مستجدات خارطة الطريق الوطنية “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030″، وحددت أهدافا اقتصادية تشمل توليد قيمة مضافة تبلغ 100 مليار درهم، نحو 10 مليارات دولار، وإحداث 50 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب تكوين واعتماد 200 ألف من الكفاءات المتخصصة بحلول نهاية العقد.
وتمنح هذه الأهداف للقرار الحكومي الأخير بعدا عمليا، إذ بات تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تحت المسؤولية المباشرة لوزير يحمل القطاع اسمه، بعدما كانت هذه البرامج تتوزع بين مبادرات البحث العلمي والتحول الرقمي والاستثمار وتحديث الإدارة.
غير أن بلوغ تلك الأرقام يتوقف على قدرة الاقتصاد المغربي على استيعاب التكنولوجيا داخل أنشطته الإنتاجية، وعلى انتقال مشاريع البحث والابتكار إلى تطبيقات تجارية وصناعية تحقق عائدات وتستحدث وظائف.
وفي بلد تشكل فيه صناعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية مكونات أساسية للنشاط الصناعي، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصا لتحسين الإنتاجية ومراقبة الجودة وإدارة سلاسل الإمداد وتخفيض تكاليف الإنتاج، لكنه يفرض في المقابل استثمارات جديدة في تأهيل العاملين وتطوير المهارات التقنية.
ويمتد الأمر إلى الفلاحة والخدمات المالية واللوجيستيك والسياحة، وهي قطاعات يرتبط تطويرها بقدرة المؤسسات على معالجة البيانات وتحويلها إلى قرارات اقتصادية أكثر دقة.
وتبرز السيادة الرقمية بوصفها أحد الملفات التي تمنح الوزارة الجديدة ثقلا يتجاوز تدبير الخدمات الإلكترونية. فاعتماد الإدارات والمقاولات على منصات تكنولوجية أجنبية يثير مسائل تتعلق بمواقع تخزين المعلومات وحمايتها، وبمدى قدرة المؤسسات المغربية على التحكم في الأنظمة التي تعتمد عليها.
وقد شرع المغرب في تطوير مشاريع لمراكز البيانات والحوسبة السحابية، إلى جانب شبكة معاهد “الجزري” المتخصصة في البحث والتطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن مسعى لتكوين قاعدة وطنية للابتكار وإنتاج الحلول التكنولوجية.
لكن امتلاك البنية التحتية لا يحسم وحده مسألة الاستقلال التكنولوجي. فالنماذج المتقدمة تحتاج إلى قدرات حاسوبية مرتفعة واستثمارات مستمرة وكفاءات علمية، فضلا عن قواعد بيانات تتيح تدريب التطبيقات وتطويرها.
ويضع ذلك المغرب أمام خيارات اقتصادية تتعلق بطبيعة الشراكات مع الشركات الدولية، وحدود الاعتماد على تقنياتها، والمجالات التي يستطيع تطوير حلول وطنية فيها بكلفة تنافسية.
ومن بين المجالات التي تحمل فرصا خاصة للمغرب تطوير التطبيقات اللغوية المرتبطة بالعربية والأمازيغية والدارجة المغربية، بما يستجيب لحاجيات المستخدمين المحليين التي لا تغطيها دائما المنتجات التكنولوجية الموجهة إلى الأسواق الكبرى.
أما داخل الإدارة العمومية، فإن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة يفتح ملفا آخر يرتبط بالانتقال من رقمنة الوثائق والإجراءات إلى تغيير طريقة تقديم الخدمات للمواطنين.
فالمشكلة التي تواجه عددا من الخدمات الإدارية لا تتعلق دائما بغياب المنصات الإلكترونية، بقدر ما ترتبط بتعدد المتدخلين وضعف تبادل المعلومات واستمرار مساطر تتطلب حضور المرتفق رغم توفر بعض الخدمات الرقمية.
ومن شأن التطبيقات الذكية أن تساهم في معالجة هذه الاختلالات، سواء من خلال تبادل البيانات بين الإدارات أو تبسيط الإجراءات أو تسريع دراسة الملفات، شريطة أن يواكب إدخال التكنولوجيا تعديل فعلي في طرق العمل والمساطر التنظيمية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية اجتماعية في بلد تتفاوت فيه مستويات الولوج إلى الخدمات الرقمية، إذ يرتبط نجاح الإصلاح بمدى استفادة المواطنين خارج المراكز الحضرية الكبرى، والفئات التي لا تتوفر على مهارات تقنية كافية للتعامل مع الأنظمة الإلكترونية.
كما يطرح التوسع في اعتماد الخوارزميات داخل المرافق العمومية مسائل قانونية تتعلق بحماية المعطيات الشخصية وشفافية القرارات الإدارية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأفراد.
ويزداد هذا الجانب حساسية مع قدرة بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي على إصدار توصيات ونتائج اعتمادا على معطيات ضخمة، وهو ما يستدعي ضمان استمرار الرقابة البشرية وإمكانية مراجعة القرارات والطعن فيها.
وعلى صعيد سوق العمل، تحمل الطموحات المغربية مفارقة اقتصادية تتطلب المعالجة، إذ تراهن الحكومة على إحداث عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة في القطاع، بينما تتيح التكنولوجيا نفسها الاستغناء عن عدد من المهام التقليدية في الخدمات والأعمال المكتبية ومراكز معالجة المعلومات.
ولذلك فإن نجاح هذه السياسة لن يرتبط بعدد المتخصصين الذين ستتخرج بهم الجامعات ومؤسسات التكوين وحده، بل بقدرة الاقتصاد على توفير فرص تستوعب هذه الكفاءات، وتأهيل العاملين في المهن التي تتغير طبيعتها بفعل الأتمتة.
وتحمل التسمية الوزارية الجديدة رسالة إلى المستثمرين والشركاء الدوليين بشأن المكانة التي يخصصها المغرب للتكنولوجيا في سياساته التنموية، خصوصا في ظل تطلعه إلى الاستفادة من موقعه الجغرافي وعلاقاته الاقتصادية مع أوروبا وإفريقيا لاستقطاب أنشطة رقمية ذات قيمة مضافة مرتفعة.
لكن الرهان الأهم يظل داخليا، ويتعلق بقدرة الحكومة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر ملموس للنمو الاقتصادي وتحسين الخدمات ورفع إنتاجية المقاولات، بدلا من بقائه مجالا للمبادرات التقنية المنفصلة عن الحاجيات الفعلية للاقتصاد والمجتمع.
وبعد إحداث الوزارة، لم يعد التحدي المغربي مقتصرا على إثبات الاهتمام السياسي بالتكنولوجيا الجديدة، بل أصبح مرتبطا بإظهار ما تستطيع هذه التكنولوجيا إضافته إلى الاقتصاد الوطني، وما إذا كانت المملكة ستنجح في امتلاك حصة من القيمة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، عوض الاكتفاء بدفع كلفة استيراده من الخارج.

