وسط النقاش المتزايد حول فعالية واستدامة سياسات الدعم المباشر في المغرب، جاءت تصريحات عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، لتسلط الضوء على إشكاليات جوهرية تتعلق بهذا النهج.
فبينما تسعى الحكومة إلى تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر هشاشة، تحذر مؤسسات رئيسية، كالبنك المركزي والمجلس الأعلى للحسابات، من المخاطر طويلة الأجل لهذه السياسات إذا ما استمرت دون ضبط أو مراجعة.
وبخبرته في إدارة السياسات النقدية والمالية، يرى الجواهري أن سياسة الدعم المباشر يجب أن تظل إجراءً استثنائيًا ومؤقتًا. مشيرا في هذا السياق، إلى أن الاعتماد المفرط على هذه الآلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تراجع الحافز لدى الأفراد للاندماج في سوق الشغل، مما يضعف الدينامية الاقتصادية ويزيد من الأعباء على المالية العامة للدولة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات التي أشار إليها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي 2023-2024، الذي لم يقتصر على التنبيه إلى المخاطر المالية فقط، بل قدم رؤية أعمق تتعلق بتحديات إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الحاجة إلى تحسين نظام استهداف المستفيدين من الدعم وتطوير آليات تتبع وتقييم أكثر فاعلية.
وهذا يُبرز إشكالية مركزية: كيف يمكن للمغرب الموازنة بين توفير الحماية الاجتماعية وتعزيز الكفاءة الاقتصادية؟
وعلى الرغم من أهمية الدعم المباشر في معالجة حالات الفقر والهشاشة، فإن الاقتصار عليه كإجراء وحيد لمعالجة الاختلالات الاجتماعية قد يكون غير كافٍ، بل وربما مضرًا على المدى البعيد.
فالحلول المستدامة تتطلب سياسات تُركز على تحسين الدخل وخلق فرص شغل حقيقية تُسهم في تعزيز الإنتاجية الاقتصادية. هنا، يتقاطع حديث الجواهري مع توصيات المجلس الأعلى للحسابات، حيث يشدد الطرفان على ضرورة التوجه نحو تنمية شاملة تتطلب تضافر جهود القطاعين العام والخاص.
لكن العقبات لا تزال قائمة. فتقرير المجلس الأعلى للحسابات يشير إلى تحديات عدة تواجه إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، منها ضبط نفقات الحماية وتنويع مصادر تمويلها.
وتكشف هذه التحديات عن حاجة ملحة لإعادة هيكلة شاملة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية، بحيث تُدمج ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد تعالج جذور المشاكل بدلًا من الاكتفاء بحلول سطحية.
وفي هذا السياق، يصبح التنسيق بين السياسات الاجتماعية والاقتصادية أمرًا ضروريًا لضمان فعالية الإصلاحات. إذ يعد تعبئة موارد مالية مستدامة، وتفعيل المؤسسات المشرفة على هذه المنظومة، مثل الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي والهيئة العليا للصحة، من الأولويات. علاوة على ذلك، فإن تطوير منظومة حماية اجتماعية شاملة لا يمكن تحقيقه دون تعزيز الشفافية والمساءلة في تنفيذ السياسات.
وتمثل تصريحات الجواهري وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات جرس إنذار لصناع القرار في المغرب. فبينما يُدرك الجميع أهمية الحماية الاجتماعية في تحقيق العدالة الاجتماعية، فإن السؤال الأكبر يتعلق بكيفية ضمان استدامتها دون الإضرار بالتوازن المالي والاقتصادي للدولة.
ويبقى التحدي الحقيقي في نهاية المطاف، هو الانتقال من سياسات الدعم المباشر إلى سياسات تنموية أكثر شمولًا واستدامة، تُركز على تمكين الأفراد وتعزيز قدراتهم بدلًا من الاعتماد المستمر على دعم الدولة.

