ما بين تاريخ 28 أكتوبر 2018 و20 شتنبر 2026، جرت مياه كثيرة، وتبدلت ملامح المشهد السياسي والاجتماعي، لكن الستين دقيقة الإضافية ظلت طيلة هذه الفترة حاجزا يفصل المغاربة عن إيقاعهم الزمني الطبيعي.
وخلال هذه السنوات الثماني، تحولت الساعة القانونية من مجرد تدبير إداري لترشيد استهلاك الطاقة إلى مقياس لمدى قدرة المؤسسات التنفيذية على الاستماع لنبض الشارع والتعاطي مع التحولات المجتمعية.
وفي الأصل، لم يدخل هذا التوقيت حياة المغاربة عبر مسار تدريجي، بل بقرار حكومي مفاجئ صدر يوم 26 أكتوبر 2018، قبل أقل من 48 ساعة من الموعد الذي كان يفترض أن تعود فيه المملكة إلى توقيت غرينتش.
فقد صادقت حكومة سعد الدين العثماني على المرسوم رقم 2.18.855، واختارت تثبيت GMT+1 طوال السنة، بعدما كان المغاربة قد اعتادوا التعامل معه كتوقيت صيفي مؤقت.
ومنذ تلك اللحظة، خرج النقاش من دوائر الإدارة إلى الحياة اليومية، وبدأ أول اختبار فعلي للقرار مع حلول الشتاء ودخول التلاميذ إلى المدارس في ساعات يسبق فيها الظلام شروق الشمس.
الساعة تصطدم بالمدرسة
ففي شتاء 2018، لم تكن شوارع العاصمة الرباط ومدن أخرى، كطنجة والدار البيضاء، تحتاج إلى بيانات رسمية لتشخيص الوضع. إذ كانت المشاهد اليومية تتحدث لغة واحدة، تلاميذ يغادرون منازلهم تحت جنح الظلام، وحافلات نقل مدرسي تشق الضباب الباكر بمصابيح مضاءة، وآباء يطالبون بتكييف الزمن المدرسي مع التوقيت الجديد.
وحينها، حاولت حكومة سعد الدين العثماني احتواء الغضب عبر تفويض الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين صلاحية تعديل جداول الحصص.
كما صدرت مذكرات إدارية متلاحقة ترخص بتأخير الدخول المدرسي إلى الثامنة والنصف أو التاسعة صباحا، في محاولة لإنقاذ المرسوم رقم 2.18.855 الذي فرض التوقيت الصيفي طوال العام.
وفي موازاة ذلك، كانت وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية تدفع بورقة تقنية استندت إلى دراسة أنجزها فرع مكتب الاستشارات “برايس ووتر هاوس كوبرز”.
وقد تحدثت الأرقام التي تضمنتها الوثيقة، والتي طفت على السطح منتصف 2019، عن توفير 37.6 جيغاواط ساعة من الطاقة، وتقليص انبعاثات الكربون بأكثر من 11 ألف طن.
لكن هذه الوثائق، ورغم إدماجها الكثيف في الخطاب الرسمي للدولة، لم تصمد أمام التكلفة الاجتماعية اليومية وتكرار الاستثناء الرمضاني.
ففي كل ربيع، كانت رئاسة الحكومة تصدر بلاغا يعلق العمل بالتوقيت الإضافي، ليعيش المغاربة تجربة توقيت غرينتش شهرا واحدا، قبل أن يعودوا إلى تقديم عقارب ساعاتهم مجددا بعد نهاية رمضان.
ثم تغيرت الحكومة إثر انتخابات 2021، وتسلم عزيز أخنوش قيادة السلطة التنفيذية، فيما استمرت الساعة الإضافية كإرث ثقيل.
لغة الحكومة تتغير
غير أن التحول الفعلي بدأ يتشكل مطلع عام 2026، حين انتقل الرفض من تذمر يومي متناثر إلى حراك رقمي ومؤسساتي.
فقد حصدت العريضة الإلكترونية المطالبة بالعودة إلى التوقيت الشتوي أزيد من 312 ألف توقيع افتراضي. ورغم أن لجنة فحص العرائض لم تعتمد قانونيا سوى 2107 توقيعات ورقية مطابقة لاشتراطات القانون التنظيمي المنظم للمجال، فإن الرسالة السياسية اخترقت جدران المؤسسات.
وفي 25 يونيو 2026، تبدلت لغة الخطاب الرسمي تماما. فلم يطرح المجلس الحكومي أرقام الفواتير الطاقية أو مكاسب التبادل التجاري، بل استند بلاغ رئاسة الحكومة بوضوح إلى عبارة “الاستجابة لانتظارات المواطنين” ومعالجة الإشكالات الميدانية.
وعندها، جرى تمرير المرسوم الجديد 2.26.530، الذي ينسخ قرار 2018 بكلمات مقتضبة، وينهي حقبة من الجدل.
ولذلك، لن يكون تأخير الساعة بستين دقيقة في 20 شتنبر 2026 مجرد تعديل تقني في الهواتف، بل عودة إلى توقيت ظل حاضرا طوال ثماني سنوات في صلب نقاش اجتماعي لم يهدأ تماما.
وبعد ثماني سنوات، تبدو نهاية المسار مختلفة تماما عن بدايته. ففي 2018، فرض القرار بمنطق تقني استعجل تثبيت التوقيت الجديد، أما في 2026 فجاء التراجع عنه بعد تراكم اجتماعي طويل أعاد الاعتبار إلى أثر الساعة في تفاصيل الحياة اليومية.
وعندما يؤخر المغاربة عقاربهم بستين دقيقة صباح 20 شتنبر، ستنتهي بذلك واحدة من أطول حلقات الشد والجذب حول تدبير الزمن في المغرب، بعدما احتاجت الستون دقيقة التي أضيفت بمرسوم حكومي إلى ثماني سنوات كاملة حتى تسقط بمرسوم حكومي آخر.

