يواجه المغرب تحديا متزايدا يرتبط بظاهرة السلع المقلدة، في سياق دولي يزداد فيه حجم التجارة غير المشروعة، وتتعاظم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
ففي أحدث تصنيف صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) ومكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية (EUIPO)، جاء المغرب في المرتبة الرابعة والعشرين عالميا ضمن الوجهات الأكثر ارتباطا بتدفقات السلع المزيفة، مع تركيز خاص على مستحضرات التجميل المستوردة من الصين.
ويوضح التقرير، المعنون بـ”خريطة المسارات الحقيقية لتجارة السلع المقلدة 2025″، أن جزءا مهما من هذه البضائع يدخل إلى الدول عبر طرود بريدية صغيرة الحجم يصعب تتبعها أو إخضاعها للتفتيش الكلي، ما يفتح المجال أمام شبكات تهريب مرنة وغير مكلفة، تعتمد تقنيات الإرسال المجزأ والتحايل على المساطر الجمركية.
ويضع التقرير، المغرب ضمن البلدان التي تُظهر بيانات التصدير إليها تناقضاً بين الكميات الرسمية المستوردة وقيم الشحنات القادمة من بؤر تصنيع كبرى، في مقدمتها الصين والإمارات وتركيا.
ورغم أن التقرير لا يتناول كل دولة على حدة، فإن التصنيف الذي ناله المغرب يدفع إلى التساؤل حول مدى نجاعة المنظومة الرقابية القائمة، خاصة في ظل غياب معطيات وطنية مفصلة ومحدثة بانتظام حول عدد الشحنات المحجوزة، وطبيعة السلع المضبوطة، ونطاقها الترابي، ومآلاتها القانونية.
وفي هذا السياق، توثق تقارير إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، حالات متكررة لحجز سلع مزيفة على مستوى الموانئ والمطارات، كان أبرزها خلال السنوات الأخيرة ضبط شحنات من الأجهزة الإلكترونية، والنظارات الشمسية، ومستحضرات التجميل غير المطابقة للمعايير، أغلبها يحمل علامات تجارية عالمية مزورة.
كما أشارت نفس الإدارة في تقارير سابقة إلى تزايد عدد القضايا المحالة على القضاء في هذا الشأن، ما يعكس تطوراً جزئياً في المساطر القانونية.
من جانبها، تبذل وزارة الصناعة والتجارة مجهودات لتكييف المنظومة القانونية الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، من خلال تعديل قانون حماية الملكية الصناعية وتحفيز تسجيل العلامات التجارية، لكن هذه الخطوات تبقى، وفق متابعين، محدودة الأثر ما لم تُواكب بإصلاحات هيكلية تهم منظومة الجمارك، والتنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوسيع دائرة الفاعلين في الرصد، خاصة على مستوى القطاع الخاص.
ويُلاحظ أن المغرب لا يزال يفتقر إلى منصة وطنية موحدة تجمع البيانات المتعلقة بالسلع المقلدة، وتتيح للمتدخلين إمكانية التتبع والتدخل الاستباقي، خصوصاً في زمن أصبحت فيه التجارة الإلكترونية إحدى القنوات الرئيسة لترويج السلع غير المشروعة، دون رقابة فعالة أو تتبع لمصدر الإرسال.
ويدعو تقرير OECD/EUIPO الدول التي تمثل محاور أساسية في شبكات العبور أو الاستهلاك، مثل المغرب، إلى اعتماد آليات جديدة في التتبع الجمركي، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط الشحنات المشبوهة، مع إشراك الهيئات الخاصة والمؤسسات المصرفية وشركات النقل السريع في دينامية الرصد.
كما يشدد التقرير على ضرورة خلق شراكات دولية واسعة لتعزيز تبادل المعلومات وتوحيد المعايير القانونية، بما يضيق الخناق على الشبكات العابرة للحدود التي تنشط في هذا القطاع المربح وغير القانوني.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المغرب مطالب بالانتقال من المقاربة الموسمية أو الظرفية في مواجهة السلع المقلدة، إلى سياسة عمومية مستدامة ومندمجة، تُسائل البنية التشريعية والقدرات التقنية والإرادة المؤسسية، وتُراكم المعطيات الميدانية بشكل دوري، بما يسمح بتقييم حقيقي وفعّال لمستوى التهديد، وتوجيه الجهود في المسارات الأكثر هشاشة.

