في قلب قرية مداغ، على تخوم مدينة بركان شرق المملكة، يقود جمال الدين البودشيشي بعناية الزاوية القادرية البودشيشية، حاملاً إرثًا صوفيًا عريقًا وأملاً في تحديث مؤسسة تصوفية تمتد جذورها عبر القرون.
والطريقة القادرية البودشيشية، زاوية صوفية ظهرت في القرن الخامس للهجرة النبوية (1009 إلى 1105 ميلادية)، على يد الشيخ عبد القادر الجيلالي، ومقرها الأم زاوية في بلدة “مداغ”، بعمالة إقليم بركان.
ورث جمال الدين قيادة الطريقة بعد وفاة والده الشيخ حمزة في عام 2017، بموجب وصية رسمية، حيث تركزت حياته حول هذا المسار منذ طفولته، ليتحول إلى أحد أبرز الوجوه الصوفية المغربية.
وُلد جمال الدين البودشيشي عام 1942، وترعرع في أجواء الزاوية حيث تعلّم القرآن والعلوم الشرعية.
تابع دراسته في مدارس دينية عريقة في فاس، ثم في الرباط، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم الإسلامية من كلية الشريعة، ثم تابع دراساته العليا بدار الحديث الحسنية، ليحصل على دبلوم الدراسات العليا في علوم الحديث.
وعكف جمال الدين، بعد ذلك على بحث أكاديمي يواكب مشواره الروحي، إذ تناول في أطروحته لنيل الدكتوراه موضوع “مؤسسة الزاوية بالمغرب بين الأصالة والمعاصرة”، وهي رؤية واضحة لتطلعه إلى تجديد الطريقة ضمن إطار صوفي يتفاعل مع متغيرات الزمن.
ومحاطًا بإرث والده، أمضى جمال الدين سنواته الأولى في تعلّم دقائق التصوف وملازمة شيخ الزاوية، الشيخ حمزة، الذي رسخ في مريديه حب الذكر والتقوى.
وعلى مدى عقود، بقي جمال الدين بعيدًا عن الأضواء، محاطًا بهالة من الوقار والاحترام، حيث لم يظهر إلا نادرًا خلال الاحتفالات الكبرى للطريقة، مثل الاحتفال السنوي بذكرى المولد النبوي، الذي يحضره آلاف المريدين من المغرب وخارجه، وبعضهم من كبار الشخصيات.
وأثناء جنازة والده في يناير 2017، ظهر جمال الدين البودشيشي للمرة الأولى كشيخ للزاوية، مرتديًا جبته البيضاء، ووجهه الهادئ لا يكاد يفارق الابتسامة، بينما يتلقى العزاء من كبار المسؤولين ومستشاري الملك محمد السادس.
وتوافد المريدون لتجديد العهد معه، مستلهمين من إرث والده الذي كتب في وصية تعود إلى عام 1990 أنّ “الإذن في تلقين الذكر والدعوة إلى الله سينتقل إلى ابنه الأرضي مولاي جمال الدين”، حيث أودع الشيخ حمزة الأمانة إلى نجله الأكبر، في إشارة إلى الاستمرارية الروحية.
في وسط مريديه، يبرز جمال الدين كرجل وقور ينأى عن الخطاب السياسي، متمسكًا بمبادئ الطريقة الصوفية، مرتكزًا على نشر قيم التسامح والمحبة.
ورغم كثرة أتباع الزاوية من مسؤولين حكوميين وشخصيات عامة، إلا أن جمال الدين يحتفظ بهدوءٍ وابتعاد عن الإعلام، تاركًا ابنه منير ليظهر في مناسبات رسمية، وهو يصف الطريقة بأنها جسر للتواصل الروحي بين الشرق والغرب.
وتُعتبر الزاوية القادرية البودشيشية اليوم من أكبر الطرق الصوفية في المغرب، وتجمع المريدين من مختلف البلدان، بينهم أفراد من أوروبا وأمريكا الشمالية، وجدوا في الطريقة ملاذًا روحانيًا.
يُنظر إلى جمال الدين باعتباره قائدًا روحيًا قادرًا على الموازنة بين تجديد الزاوية والمحافظة على جوهرها الصوفي، إذ يحرص في دروسه الروحية القليلة على التركيز على الذكر وطريق الزهد، دون استغراق في طقوس معقدة.
رغم تباعده عن الإعلام، فإن القليل من التسجيلات المصورة لجمال الدين على الإنترنت تُظهره يوجه مريديه برزانة، مستخدمًا لغة متقشفة وحكيمة. فالتواضع الذي يشتهر به يعكس روح الطريقة، وهو عنصر يجتذب إليه أعدادًا متزايدة من المريدين الذين يتطلعون إلى تجربة روحانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
تحت قيادته، تعيش الزاوية البودشيشية عصرها الجديد، حيث يسعى جمال الدين البودشيشي، إلى توسيع رقعة نفوذها بشكل هادئ، معتمدًا على علاقات مريديه داخل المغرب وخارجه. هذا الشيخ المقلّ في الكلام يبدو حاضرًا في ذاكرة أتباعه كرمزٍ للاستمرارية، ليجسد القول المأثور في عالم التصوف: “مات الشيخ… عاش الشيخ”.

