حمزة الحساني
وحدة المغرب لا شك فيها ولا مزايدة. من طنجة إلى الكويرة، أمة واحدة وجسد واحد، يلتفّ خلف القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله.
ولم يكن هذا الموقف يومًا ردّ فعل. فحين أحسّ المغاربة بخطر يهدد وحدتهم، تحركوا كالجسد الواحد مع مبدع السلام الحسن الثاني رحمه الله، فكانت المسيرة الخضراء. خرجوا بالمصحف والعلم دون سلاح، وصنعوا الحل بأنفسهم، ولم ينتظروا أن يرسمه لهم أحد. ومنذ ذلك اليوم والمغرب ثابت على مبدأ واحد: نحن من يصنع حلولنا.
منعطف جديد في أروقة الأمم المتحدة
وها هو هذا المبدأ يعطي ثماره. فقد أعلن الديوان الملكي، في بلاغ صدر أمس، أن عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو تطور كبير وخطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء بالأمم المتحدة. وبحسب البلاغ، فإن انتهاء ولاية البعثة يعني انتهاء وجودها بالأقاليم الجنوبية في الأيام المقبلة، بعد خمسة وثلاثين عامًا من عملها، وينبغي أن يفضي إلى رفع القضية من جدول أعمال مجلس الأمن، وطيّ الاجتماعات الدورية والتقارير الأممية المخصصة لها. وقد تزامن ذلك مع الاحتفال بعيد الوحدة، وكأن التاريخ أبى إلا أن يجمع الرمز بالحدث.
وليس هذا التحول وليد لحظة. فقد توّج مسارًا بدأ بقرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي نصّ على أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأكثر قابلية للتطبيق، وجعل المبادرة المغربية أساسًا للمفاوضات. وتحل ذكراه الأولى غدًا، وقد انتقل الملف خلالها من منطق التدبير إلى منطق التسوية، وهو ثمرة سنوات من العمل الدبلوماسي المتواصل بتوجيهات ملكية سامية.
وقد سبق ذلك تنامٍ لافت في المواقف الداعمة، فكانت بريطانيا ثالث عضو دائم في مجلس الأمن يدعم الحكم الذاتي، وأيدت إسبانيا الموقف المغربي، ومعها عدد متزايد من الدول الأوروبية. ولم يأتِ هذا التحول مصادفة، بل جاء ثمرة دبلوماسية مغربية عرفت كيف تجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الشركاء.
دبلوماسية الصبر والحكمة
واليوم يواصل المغرب ما بدأه بنهج مختلف في الأدوات ومتحد في الغاية: دبلوماسية هادئة بنفَس طويل، تمشي بخطى محسوبة على مسطرة دولية معقدة، رغم الفيتو والفيتو المضاد. لم تستفزها المناورات ولم تستدرجها الضغوط، فاشتغلت بالحجة والعمل الميداني وبناء الشراكات. وقد أكد البلاغ الملكي أن هذا الزخم الدبلوماسي سيتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي، وأن المغرب ملتزم بوقف إطلاق النار، وحريص على سلامة ترابه وأمنه الوطني.
الميدان يسند الدبلوماسية
والدبلوماسية المغربية لا تسير على الورق وحده. فالأقاليم الجنوبية ورش مفتوح، وكل مشروع فيها رسالة بأن الأرض أرض أهلها. ففي الداخلة، يتقدم ميناء الداخلة الأطلسي الذي تبلغ كلفته الإجمالية نحو عشرة مليارات درهم، ويربطه بباقي البلاد الطريق السريع تيزنيت–الداخلة. وفي العيون، تتواصل مشاريع البنيات التحتية والخدمات والتنمية الحضرية، لتعيش الأقاليم الجنوبية ما تعيشه كل جهات المملكة. وهكذا تتكامل الشرعية السياسية مع التنمية الفعلية.
ويبقى أن تنال الكويرة، أقصى نقطة في الجنوب، حظها من هذا الورش، بتعميرها وربطها وتجهيزها، فالأرض تُصان بالمواقف كما تُصان بالسكان والاستثمار.
نصنع حلولنا بأنفسنا
هكذا يمضي المغرب في طريقه بهدوء الواثق: يشتغل ولا يلتفت، ويبني ولا ينشغل بضجيج المزايدين. فالرهان على الاعتراف الدولي مكسب، لكن الأصل أن الحق ثابت والأرض أرضنا، وأننا نحن من نصنع حلولنا. ومن ساوره شك في هذا الإجماع، فليقترب من حدودنا ليرى حفاوة الترحاب وصدق الانتماء.
تحية لدبلوماسيتنا وجنودها، وللقيادة الملكية التي رسمت لها الطريق. ومن المسيرة الخضراء إلى مسيرة البناء والتنمية، تبقى وحدة المغرب خطًّا أحمر لا يُمسّ، وعهدًا يتوارثه الأبناء عن الآباء.

