وطن24 – متابعة
كشفت دراسة أكاديمية حديثة، أنجزها باحث أمريكي بجامعة فيلانوفا ونشرتها المجلة العلمية الدولية Religions، عن أوجه تشابه واختلاف لافتة بين النقوش والرموز الشعبية الموجودة بضريح سيدي يحيى بن يونس بمدينة وجدة المغربية، وتلك التي تركها الزوار بالقرب من مقام النبي يحيى داخل الجامع الأموي بالعاصمة السورية دمشق.

الدراسة، التي أعدها الباحث أدريانو دوكي ونُشرت في 29 أكتوبر 2026، تناولت الممارسات الدينية الشعبية المرتبطة بالموقعين، من خلال تحليل العلامات الهندسية والأدعية والكتابات المحفورة على الجدران والأحجار، باعتبارها شواهد مادية على طرق التعبير عن التدين والذاكرة الجماعية.
واعتمد الباحث على مجموعتين من الصور الميدانية، الأولى التُقطت سنة 2009 في الجامع الأموي بدمشق وتضم 37 نقشاً، والثانية تعود إلى سنة 2017 بضريح سيدي يحيى بوجدة وتوثق نحو 45 علامة ورمزاً موزعة على الجدران الخارجية والمداخل الجانبية والمقبرة المجاورة. MDPI

وأظهرت المقارنة اختلافاً في طبيعة النقوش بين الموقعين؛ ففي دمشق، تغلب الكتابات العربية والأدعية الدينية وأسماء الزوار وأفراد عائلاتهم، بينما تتميز نقوش ضريح وجدة بحضور أكبر للرموز الهندسية والعلامات التي ترتبط، وفق تفسير الباحث، بمعتقدات الحماية من الشرور والعين والحسد.
ومن بين أبرز العلامات التي وثقتها الدراسة في ضريح وجدة، نجوم سداسية محفورة داخل دوائر، وأشكال دائرية تتفرع منها خطوط هندسية، إلى جانب آثار شموع وسخام على بعض الأسطح الحجرية.

ويرى الباحث أن هذه الرموز تندرج ضمن تقاليد بصرية شعبية مشتركة عرفتها مجتمعات شمال إفريقيا، ولا يمكن نسبتها بصورة قطعية إلى ديانة بعينها، بالنظر إلى تداول أشكال مشابهة في تقاليد إسلامية ويهودية ومتوسطية مختلفة.
كما توقفت الدراسة عند البعد التاريخي لضريح سيدي يحيى، الذي يرتبط بروايات محلية قديمة عن النبي يحيى، وبممارسات الزيارة والتبرك التي توارثتها أجيال من سكان المنطقة.
واستعرض الباحث روايات شعبية تتحدث عن وصول جسد النبي يحيى إلى المنطقة على ظهر جمل، وظهور عين ماء في المكان الذي اختير لدفنه، مؤكداً أن هذه الحكايات تندرج ضمن الموروث الديني المحلي، ولا تشكل أدلة تاريخية تثبت مكان دفنه.
وفي جانب آخر، أبرز البحث المكانة التي يحتلها ضريح سيدي يحيى في الذاكرة الدينية والاجتماعية لوجدة، باعتباره فضاء ارتبط تاريخياً بممارسات زيارة مشتركة بين جماعات دينية مختلفة.
وأوضح أن بعض الرموز الهندسية الموجودة بالموقع تعكس تشابهاً مع عناصر زخرفية معروفة في التراث الأمازيغي والمتوسطي، غير أن هذا التشابه لا يسمح وحده بتحديد أصل كل نقش أو هوية الشخص الذي تركه.
وتناولت الدراسة أيضاً العلاقة بين المحافظة على المعالم الدينية التاريخية والممارسات الشعبية للزوار، إذ لاحظ الباحث أن عمليات التنظيف والترميم قد تؤدي إلى إزالة بعض العلامات، بينما تستمر نقوش جديدة في الظهور على الأسطح الأقل خضوعاً للمراقبة.
وخلص إلى أن هذه الكتابات والرموز، رغم طابعها غير الرسمي، تشكل جزءاً من التاريخ الاجتماعي للمواقع الدينية، لأنها توثق تعبيرات فردية عن الدعاء والخوف والأمل والانتماء.
وتفتح نتائج البحث آفاقاً لدراسة التراث الديني الشعبي بالمغرب، خصوصاً في المناطق التي احتضنت تاريخياً تفاعلات ثقافية ودينية متعددة، كما تطرح تساؤلات حول كيفية التوفيق بين حماية المعالم التاريخية والحفاظ على الشواهد المرتبطة بالذاكرة الشعبية.
وتبقى نتائج الدراسة محدودة بعينات مصورة من الموقعين، ولا تمثل جرداً شاملاً لجميع النقوش الموجودة فيهما، كما أنها لا تقدم دليلاً على تطور هذه الممارسات خلال السنوات الأخيرة.

