أكد تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أن الصين نجحت خلال العقود الثلاثة الماضية في إحكام قبضتها على صناعة المعادن النادرة، التي تشكل العمود الفقري للتقنيات الحديثة من السيارات الكهربائية إلى الطائرات المقاتلة، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة جاهدة لاستعادة موقعها في هذا المجال الحيوي.
وأوضح التقرير أن واشنطن فوجئت مؤخرا بقرار بكين تقييد صادراتها من المعادن النادرة، ما أعاد إلى الواجهة الفجوة الكبيرة في السيطرة بين القوتين الاقتصاديتين، وسط توتر متصاعد في العلاقات التجارية بينهما.
وأضافت الصحيفة أن الصين اتبعت منذ التسعينيات سياسة اقتصادية ممنهجة لدعم شركاتها الوطنية ومنع الأجانب من امتلاك المناجم المحلية، قبل أن تعمل على دمج الشركات الصغيرة في كيانات كبرى أصبحت اليوم تهيمن على السوق العالمي.
ونقلت الصحيفة عن الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ قوله الشهير: “الشرق الأوسط يملك النفط، أما الصين فلديها المعادن النادرة”، في إشارة إلى الرؤية الإستراتيجية التي وضعت أساس الهيمنة الصينية الحالية.
وبحسب التقرير، تنتج الصين حاليا نحو 90 في المائة من المعادن النادرة المكررة في العالم، بعد أن استحوذت تدريجيا على الأصول الغربية الحيوية في هذا القطاع، من بينها وحدة إنتاج المغناطيس التابعة لشركة “جنرال موتورز” الأميركية، التي تم نقل معداتها ومهندسيها إلى الصين منتصف التسعينيات.
وأشار التقرير إلى أن هذه الخطوات مكنت بكين من بناء قاعدة صناعية قوية، فيما فقدت الولايات المتحدة ريادتها بعد إغلاق مناجمها الرئيسية مثل “ماونتن باس” في كاليفورنيا.
ومع منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، شددت الصين قيودها على تصدير المعادن النادرة، مما رفع تكاليف الإنتاج في الغرب وأجبر العديد من الشركات على نقل مصانعها إلى الأراضي الصينية للاستفادة من الأسعار المنخفضة للمواد الخام.
ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة حاولت لاحقا إنعاش منجم “ماونتن باس” ضمن مشروع أطلق عليه اسم “العنقاء”، لكن الإغراق الصيني في الأسواق بالمعادن الرخيصة أدى إلى انهيار المشروع وإفلاس الشركة المشغلة له.
ورغم فوز واشنطن بدعوى قضائية ضد بكين أمام منظمة التجارة العالمية عام 2012، فإن النتيجة لم تغير واقع السيطرة الصينية، بل تعمقت الشراكات بين شركات أميركية وصينية في هذا القطاع، ما زاد من تبعية الولايات المتحدة لموردي الصين.
وأوضحت الصحيفة أن القلق الأميركي بلغ ذروته عام 2021، حين استخدمت الصين صادرات المعادن النادرة كورقة ضغط خلال اضطرابات سلاسل التوريد التي تسببت بها جائحة كورونا، وهو ما دفع واشنطن إلى إطلاق مشاريع لتشييد مصانع تكرير جديدة، بينها منشأة في ولاية تكساس بالتعاون مع شركة أسترالية.
لكن بكين واصلت تعزيز نفوذها بإصدار تعليمات لتوسيع الإنتاج بنسبة 25 في المائة عام 2022، مما أدى إلى انخفاض الأسعار عالميا وإلحاق أضرار كبيرة بالمصنعين الغربيين. كما حظرت الصين تصدير تقنيات معالجة المعادن إلى الخارج، مؤكدة نيتها الحفاظ على “هيمنة مطلقة” في هذا المجال.
وختمت وول ستريت جورنال تقريرها بالإشارة إلى أن تفوق الصين لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، بينما عانت الولايات المتحدة من سياسات قصيرة الأجل، ما يجعل تقليص الفجوة بين الجانبين أمرا يتطلب عقودا من العمل.

