ألغت المحكمة الدستورية مقتضيات من مشروع قانون المسطرة المدنية، واعتبرتها غير مطابقة للدستور، في قرار يعيد ترتيب النقاش حول حدود تدخل النيابة العامة وصلاحيات وزارة العدل في الحقل القضائي.
القرار الذي صدر يوم الاثنين 4 غشت 2025، قضى بعدم دستورية الفقرة الاولى من المادة 17، التي كانت تمنح النيابة العامة حق الطعن في المقررات القضائية النهائية خارج آجال الطعن، حتى دون ان تكون طرفا في النزاع، وذلك كلما رأت ان هذه المقررات تخالف النظام العام.
وذهبت المحكمة الى اعتبار هذا المقتضى مخالفا لمبادئ الامن القضائي واستقرار الاحكام، كما انه يمنح سلطة استثنائية لجهاز الاتهام خارج الضمانات الدستورية التي تفرض التوازن بين اطراف الدعوى، مما يستوجب حذفه من النص المعروض.
وشمل الحكم ايضا الغاء فقرات من مواد اخرى، مثل المادة 84 المتعلقة بالتبليغ القضائي، التي اعتبرتها المحكمة غامضة ومفتوحة على تأويلات تضر بحقوق الدفاع، والمادة 90 التي تتيح الحضور عن بعد دون شروط واضحة تحفظ علنية الجلسات، والمادتين 107 و364 اللتين تقيدان حق الاطراف في التعقيب على ملاحظات المفوض الملكي، مما يخل بمبدأ التواجه.
كما اسقطت المحكمة مقتضيات المادة 408 التي كانت تخول لوزير العدل تقديم طلبات احالة بين المحاكم، واعتبرت ذلك مسا باستقلال القضاء، ومخالفة للفصل 107 من الدستور، الذي ينص صراحة على ان السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية.
وتواصلت ملاحظات المحكمة في مواد اخرى تتعلق بالنظام المعلوماتي القضائي، مثل المادة 624 و628، التي تسند للوزارة سلطة تدبير نظم معلومات تتعلق بسير الدعوى، دون ضمان استقلالية القضاء في تسيير وسائله الرقمية.
واعتبرت المحكمة ان المادة 339 جاءت ناقصة من حيث التعليل، وان المادة 288 تفتقر الى احالة قانونية سليمة، بينما رأت ان بعض المقتضيات المرتبطة بالانسحاب من اشغال البرلمان او رفض نشر اجوبة الحكومة في الجريدة الرسمية تفتقر الى اساس دستوري، كما هو الحال في الفقرة الاخيرة من المادة 254 والمقطع الاخير من المادة 298.
بالمقابل، صرحت المحكمة بدستورية واحد وعشرين مادة من النظام الداخلي لمجلس النواب، لكنها اشترطت مراعاة بعض الملاحظات التقنية لضمان توازن تمثيلية المعارضة، وتنظيم قواعد الحضور والغياب والمشاركة داخل اللجان والجلسات، دون المساس بحرية التعبير او تعطيل اشغال المؤسسة.
ويضع هذا القرار الحكومة امام مأزق تشريعي، بعدما كانت قد دفعت بالنص في قراءته الثانية خلال شهر يونيو، وعولت عليه في اطلاق مرحلة جديدة من اصلاح منظومة العدالة، في سياق اوسع يشمل مشروع قانون المسطرة الجنائية ايضا.
وكان وزير العدل عبد اللطيف وهبي قد دافع مرارا عن مشروع القانون باعتباره جزءا من ورش الاصلاح، لكن القرار الدستوري الاخير كشف ما وصفه مراقبون بغياب الانضباط الدستوري في الصياغة، وفرض على الوزارة مراجعة عدد من توجهاتها الجوهرية.
ومن المرتقب ان يعود النص الى البرلمان في صيغة منقحة تراعي ملاحظات المحكمة الدستورية، وسط دعوات متصاعدة من هيئات مهنية وحقوقية بضرورة اشراك اوسع للممارسين والخبراء في بلورة مضامين المسطرة الجديدة، ضمانا للتوازن بين النجاعة والضمانات.

